فتاوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتاوى المعاملات

الجزء ٣ · صفحة ٣٨٢

والقول بحرمة الرجوع في الهدية هو الذي عليه أصحابنا والجمهور، وذهبت الحنفية إلى جواز ذلك ونسب إلى الهادوية، واستدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شبه ذلك بحالة الكلب الذي يأكل حتى يشبع ثم يقيئ ثم يرجع إلى قيئه، والكلب غير مكلف، فمن وقع في ذلك لم يترتب على فعله هذا إثم، وهذا من عجيب الاستدلال، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما ضرب لذلك هذا المثل الذي تتقزز منه النفوس وتنفر منه الطباع إلا لأجل التنفير منه. ولذلك قال " ليس لنا مثل السوء"، ومعناه أن على كل منا أن يحذر انطباق هذا المثل عليه، فإن مثل السوء لا يكون للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا لأتباعه، وإنما لمن انحرف عن الجادة وضل عن سواء السبيل، وناهيك ذلك حجة واضحة على حرمة ما ضرب له المثل، ومن رضي لنفسه ذلك فعلى من حوله نصحه وإرشاده وتبصيره بسوء هذا المثل الذي ينطبق عليه، فإن أصر وأبى إلا أن يتبع هواه فإنه ينبغي أن تعاد إليه هديته إذ لا خير في هدية أمثاله.

هذا ومما يؤيد الجمهور فيما ذهبوا إليه أن الهدية من أقوى أسباب التراحم والتلاحم بين الأقربين والأصدقاء، وما الرجوع فيها إلا مهيج للسخائم ومؤجج للأحقاد، وذلك ما لا جواز له في شرع الله تعالى، فإن جميع ما شرع في الإسلام مما يكون في العلاقات بين الناس مطفئ لنار الفتن وقاطع لدابر الشقاق والخلاف.

وأجاز أهل العلم الرجوع في هدية الثواب إن لم يعوض لأنها كانت من أجل العوض فإنه شح به المهدى إليه كان للمهدي أن يرجع فيها، بل من العلماء من ذهب إلى أنها حكمها حكم البيع بحيث ترد بظهور العيب فيها، وتجوز التولية والإقالة فيها، بل قيل إن الشفعة تترتب عليها بخلاف ما ابتغى به وجه الله فإنه في حكم الصدقة، وقد جاء في الحديث تشبيه المتصدق الذي يرجع في صدقته بالكلب أيضاً.

١٬١٠٠ / ١٬٤٠٦