فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٣٨٧ومنها: أن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ ذكر لبشير ما يدل على أن هذا من باب الإرشاد لا من باب الإلزام، إذ قال له: "ألا تريد أن يكونوا في برك سواء؟ "، قال له: نعم، قال له: "فرجعه إذن"، وهو مردود بأن هذه الرواية لا تقوى دلالتها على رد ما دلت عليه الروايات الأخرى من كون ذلك جوزاً وليس حقاً، إذ لا مسوغ على حمل ذلك على الإرشاد، مع كون الروايات الأخرى صريحة في دلالتها على خلاف ذلك، وإنما غاية ما تدل عليه هذه الرواية هو بيان الحكمة من هذا التوجيه النبوي الشريف، فإن الأب مطالب بتربية أولاده جميعاً على ما يحفزهم على بره والإحسان إليه، وهذا مطلب فطري تتطلع إليه نفس كل والد فضلاً عن كونه مطلباً شرعياً.
ومنها: أن هذه العطية لم تكن عطية منجزة، لأنها كانت بدون قبض، وأجيب بأن القبض حاصل، لأن العطية كانت ماضية من قبل، فإنه قال: "نحلت" وهو يدل على أن العطية قد أمضاها، وإنما جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لطلب الشهادة منه على ذلك للاستيثاق بشهادته ـ عليه أفضل الصلاة والسلام.
ومنها: أن هذه العطية كانت ماضية ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد إرشاده إلى الأولى، ويدل على أنها نافذة شرعاً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره بارتجاعها، ولا يكون الارتجاع إلا للذي نفذ، وهو مردود لأن أمره بالارتجاع ما كان إلا بسبب عدم موافقة العطية للأمر الشرعي.