فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٣٩١ومثل ذلك العمرى والرقبى، والعمرى هي أن يعمر أحد غيره عقارا كبيت يسكنه أو أرض يحرثها أو حديقة يستغلها، بحيث يقول له: أعمرتك أو عمرتك هذا المال مدة حياتك فإن مت رجع ذلك إلى، وقد وقع خلاف أهل العلم في حكمها، فمنهم من قال بأنها لا تسترد من قبل صاحبها، وهؤلاء استدلوا بحديث جابر بن عبدالله- رضي الله عنه- عند مسلم أن الأنصار- رضي الله عنهم- كانوا يعمرون إخوانهم المهاجرين- رضي الله عنهم- أموالهم فقال: لهم النبي- صلى الله عليه وسلم- " أمسكوا عليكم أموالكم فإن من أعمر أحدا عمرى فهي للمعمر ولعقبه أبدا"، والحديث يفيد أن العمرى تنتقل إلى ورثة من أعمرها كسائر تركته، ولكن هذا الإطلاق فيه قيد في حديث آخر، فعنه- صلى الله عليه وسلم- " من عمر- وفي رواية من أعمر- عمرى له ولعقبه فهي للذي أعمرها أبدا" وهو يفيد أن حكم العمرى بأنها للمعمر ولعقبه إنما هو مشروط بأن تكون مقرونة بالتعقيب، وذلك بأن يقول المعمر للمعمر: أعمرتك لك ولعقبك، وقد قال بهذا طائفة من أهل العلم وهو أرجح لوجوب حمل المطلق على المقيد، وذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن العمرى ترجع مع التعقيب وعدمه إلى المعمر وهو المالك الأول، وهذا القول هو من الضعف بمكان لمخالفته الأدلة الشرعية وهي نصوص الحديث التي ذكرناها، ولئن كانت الهدية مشروطة بالقبول- كما سبق- فإن العمرى لا تكون نافذة إلا إذا قبلها المعمر.
وأما الرقبى فكالعمرى وإنما تختلف صيغة الإهداء فيها، وذلك أن المهدي يقول للمهدى له: قد أعمرتك كذا على أني إن مت قبلك فهو لك، وإن مت قبلي فهو لي، وذلك أن كلا منهما يكون مراقبا لموت الآخر.
هذا ومسائل الهبة والهدية أوسع مما ذكرنا، وإنما أوردت في هذا المقام ما سنح للذاكرة واتسع له الوقت، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بيع العينة: