فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٣إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق عباده هملاً، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم ليتحملوا أمانة، وهم مجزيون بأعمالهم، ومحاسبون عليها، وقد أقام عليهم الحجة بما أرسل إليهم من رسله، وأنزل عليهم من كتبه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيَّ عن بينة، وقد بيّن لهم ما أحله لهم وما حرمه عليهم، ولم يجعل لأحدٍ منهم أن يقدم بمجرد هواه على تحليل ما يريد تحليله، وتحريم ما يريد تحريمه، فإن أمر التحليل والتحريم إلى الله تبارك وتعالى. وقد قال عزَّ من قائل: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ﴾ ، فالحلال ما أحله الله سبحانه وتعالى، ولو راق للناس تحريمه، والحرامُ ما حرَّمه عليهم ولو أنهم اختاروا لأنفسهم تحليله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللاً مبينا ﴾ ، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه على عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فيه تبيان كل شيء، ولكن في تضاعيف آياته وأحكامه مبهمات، هذه المبهمات فصَّلتها سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد بيّن الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه أن من مهام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي اضطلع بأمانتها تبيين مجملات هذا الكتاب، فهو تعالى يقول: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ ، وجاءت سنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مفصلة لمجملات القرآن الكريم، ومُخصصة لكثير من عموماته، ومُقيدة لكثير من مطلقاته، وبما أن هذه السنة هي من وحي الله تعالى، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا ينطق عن الهوى: ﴿ وما ينطق عن الهوى * إن هو وحي يوحى ﴾ ، ليس لأحد الاختيار في القبول والرفض فيما جاء عنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بل يلزم التسليم التام لذلك؛ وذلك هو عنوان الإيمان يقول الله سبحانه وتعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك