فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٤٠١ومن المعلوم أن الفقهاء عندما يترخصون في بعض الأمور، إنما يتحدثون عن الظاهر الذي يتجلى لهم، ولكن النوايا يعلمها الله، وهو المتكفل بمحاسبة العباد عليها: ﴿ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ ، والفقهاء وإن وُجد فيما بينهم المترخص في بعض الأمور لا في جميع الأمور، فإنهم يقولون: بأنه إذا اتضح تواطؤ الجانبين على الحرام، فإن ذلك مما يمنع حكماً بدون خلاف.
هذا وإن من بين الطرق الملتوية التي يسلكها الناس من أجل أكل الربا ما عُرف ببيوع الذرائع وهي البيوع التي تسمى بيوع العينة، ولأن أحد المتعاملين بها إنما يريد العين، فهو يريد بهذه الصورة الظاهرة للبيع التوصل إلى العين التي يقصد إقتراضها، ولكن بطريقةٍ فيها تمويه حتى تتجلى للناس وكأنها بيع، هذه البيوع بيوعٌ محرمة، وقد جاء في الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يدل على هذه الحرمة، فقد أخرج أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان من طريق ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إذا ضن الناس بالدرهم والدينار، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد، أصابهم الله بذلٍ لا يرفعه عنهم إلا أن يراجعوا دينهم، وفي رواية أخرى: إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر وورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد أصابكم الله بذلٍ لا ينزعه عنكم إلا أن ترجعوا إلى دينكم"، فالمبايعة بالعينة هي المبايعة بهذه الطرق الملتوية التي تسمى بالذرائع، وسُميت بالذرائع لأن الناس اتخذوها ذريعة من أجل التوصل إلى المعاملات الربوية المتفشية بطرق مختلفة، طرقٍ قد يحسبها الإنسان في الظاهر آخذةً وجهاً من الوجوه الشرعية، ولكنها في الحقيقة ما أُريد إلا الربا.