فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٤٠٢وقد ذهب أصحابنا وجمهور الأمة إلى تحريم بيوع الذرائع وعدم جواز التعامل بها بأي حالٍ من الأحوال، وهذا مما يدل عليه الحديث الشريف ويعضده ما رُوي عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ كما أخرج ذلك الدار قطني: أن أمَ ولدٍ لزيدٍ بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ ذكرت لها بأنها باعت لزيد غلاماً بثمانمائة درهم نسيئة واشترته منه نقداً بستمائة، فقالت لها عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ بئس ما شريت واشتريت، أبلغي زيداً بأنه أبطل جهاده مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس مثل هذا الكلام من الممكن أن يُقال من قبل أحد إلا بتوقيف من الشارع. فما كان لأم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ بأن تقول بأن زيداً أبطل جهاده مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمجرد بمخالفتها له ومخالفته هو لرأيها الذي تراه، فلو كان هذا مجرد خلاف بين صحابيين لما أمكن بأن تقول مثل هذا القول، ولكنها أدركت أن الأمر فيه خطورة، وأنه ربما خفي الحكم على زيد، ولذلك أرادت أن تقوم عليه الحجة بإبلاغ أم الولد التي كان بينه وبينها التبايع لذلك حتى يتراجع عما هو عليه، ومن المعلوم أن بطلان الجهاد هو أن يحبط ثوابه، ولا يكون إحباط ثواب العمل إلا بارتكاب كبيرة من الكبائر، ولا عبرة بما قاله ابن حزم بأن هذا الحديث مما يدل على ضعفه أن يوجه مثل هذا الخطاب إلى زيد وهو أحد صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد كان معروفاً بمناصرته الإسلام، فإن الله تبارك وتعالى وجه مثل هذا الخطاب أيضاً إلى صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما قال: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴾ ، فمن المعلوم أن الذين وجه إليهم هذا الخطاب هم صحابة، فإن الذين يمكنهم أن يرفعوا الصوت فوق صوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المؤمنين هم الصحابة إذا لم يكن مؤمنٌ في عهد رسول الله