فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ١٢٣أما ما وقف لزيارة القبور فهو وقف باطل لمخالفته أمر الله تعالى الوارد على لسان رسوله الأمين -صلى الله عليه وسلم-: لأنه نهى عن زيارة القبور لغير الاتعاظ وتذكر المصير الذي بين يدي كل إنسان، ومثل هذه الزيارة لا تصح الأجرة عليها، وأما ما وقف للتفريق لفقراء المسلمين فهو داخل تحت البر الذي يجب تنفيذه، ولا يجوز تحويل هذا الوقف ونحوه عما وقف له؛ لدخول ذلك تحت قول الله سبحانه: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم ﴾() اللهم إلا أن تقتضي المصلحة بيعه والاستعاضة عنه في جهة أخرى بما هو أجدى نفعا، ففي ذلك رخصة لبعض العلماء، شريطة أن يتم ذلك تحت إشراف أهل التقى والصلاح والخبرة بشئون الأموال، هذا والوقف المحكوم ببطلانه يعود إلى الورثة أو ورثتهم إن وجدوا ولو بعدوا، وإلا رد إلى فقراء المسلمين. والله أعلم.
جلبة صغيرة موقوفة، وقفها الهالك لأبناء أخيه إن كانوا متعلمين، وفقراؤهم أحق بذلك من غيرهم، ومنذ ستين سنة وهم يقتسمون غلتها بالسواء، والآن دثر المال وخرب ولم يبق منه إلا القليل، ويخشى ذهاب ماله، فأراد أحد أولاد الهالك أن يضمها مع وقف زيارة قبر هذا الشيخ وأسرته لقراءة القرآن الكريم. فهل يصح ذلك؟
لا يصح تبديل الوقف عما وقف له، اللهم إلا في بعض الحالات وليست هذه منها، ووقف الزيارة من الأوقاف التي لا تصح؛ لأن الزيارة إما أن يراد بما مجرد زيارة القبور وهي لا يصح أن يوقف لها؛ لأن زائر القبور إنما تصح له زيارتها للذكر والاتعاظ لا غير، ولا يصح أخذ أجر على ذلك، وإما أن تكون الزيارة مقصودا بها قراءة القرآن على المقابر؛ وذلك من البدع المحرمة، لحرمة اتخاذ القبور مساجد، والمحرم لا يصح أن يوقف له، فكيف يصح تحويل ما وقف لبر إلى أمثال هذه الأمور المنافية للدين، اللهم إن ذلك من المحجور قطعا. والله أعلم.