فتاوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتـاوى الوصية

الجزء ٤ · صفحة ٢٥٨

وحضور الموت -كما قلت- حضور أسبابه، والعرب تكني بالموت عن الشيء الكريه، كما قال جرير:

أنا الموت الذي أخبرت عنه

فليس لِهاربٍ مني نجاء

ولا ريب أن أسباب الموت تؤدي إلى الموت، ولما كانت كذلك عُبِّر عنها بالموت، وإلا فبعد أن يحضر أحدًا الموت لا يتمكن من هذه الوصية المطلوبة منه.

﴿ إِن تَرَكَ خَيْرا ﴾(): قال: ﴿ إِن تَرَكَ ﴾() ولم يقل: إن يترك؛ لأجل تقريب المستقبل ليكون كالشيء الواقع، فالمستقبل هنا متأكد، فالذي عنده مال قد حضره الموت فمن المتأكد أنه سيترك المال، فلذلك عبر بصيغة المُضيّ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾() والخير هو المال، وكثيرا ما يعبر في القرآن بالخير عن المال، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وإنه لحب الخير لشديد ﴾()، وحكى سبحانه عن عبده موسى عليه السلام قوله: ﴿ رب إني لما أنرلت إلى من خير فقير ﴾()، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ﴾() أي غنىً.

﴿ الوصية ﴾() هي نائب فاعل لـ﴿ كُتِبَ ﴾()، فهي مرفوعة بـ﴿ كُتِبَ ﴾()، ولم تدخل علامة التأنيث على ﴿ كُتِبَ ﴾() لأجل الفصل ما بين الفعل ومعموله؛ لأن التأنيث غير حقيقي، فإن الوصية يعبر عنها بالإنفاق.

والوصية مأخوذة من: وصّى يوصّي توصية، أو أوصى يوصي إيصاء، وقد جاء جميعا في القرآن الكريم، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴾()، وقال الله عز وجل: ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾().

والوصية: فعيلة بمعنى مفعولة، وكلمة الوصية هي في الأصل: مُوصَّى بها، ولكن وصلت بالضمير، وأسقط الحرف الجار لأجل أن تأتي فعيلة بمعنى مفعولة، فإن فعيلاً بمعنى مفعول لا يكون من الفعل القاصر، أي الفعل اللازم غير المتعدي.

١٬٣٨١ / ١٬٤٠٦