فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٩والوصية هي بمعنى الدعوة إلى فعل شيء أو تركه، كما في قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾() أي يدعوكم الله إلى ذلك، وقوله: ﴿ ذلكم وصاكم به ﴾() أي أمركم به، فالأمر والنهي داخلان فيما يُوصى به، فمن أمر بشي فقد أوصى بفعله، ومن نهى عن شيء فقد أوصى بتركه.
وإنما شاعت الوصية في عرف الناس -مع ما اشتقت منه كالتوصية والإيصاء- في أن يأمر أحدٌ أحدًا بفعل شيء بعد موته وفي حياته، ولكن في حال غياب الآمر، ويكون ذلك الشيء فيه مصلحة للأمير أو للمأمور.
وهي في العرف الفقهي في هذا الباب: جزءٌ من المال يأمُر صاحبُه بأن ينفذ عنه بعد موته في وجه من الوجوه المشروعة.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ﴾() شرط غائي، ولذلك فإن جوابه مفهوم مما قبله، ولا حاجة إلى تقدير جوابٍ، وأبعد ما يكون قول من قال بأن الشرط الأول وهو قوله سبحانه: ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾() له جواباً يفهم مما سبق، والشرط الثاني وجوابه واردان تأكيداً لذلك الجواب، ويفهم جواباً الشرط الثاني من نفس جواب الشرط الأول وهذا تكلف.
بعض العلماء قدر: إن ترك خيرا فالوصية للوالدين، أي: فالوصية واجبة للوالدين. وعلى هذا فالوصية هنا مبتدأ، وهي وما بعدها من الخبر واقعةٌ في جواب الشرط، والفاء محذوفة على حد قول الشاعر:
*من يفعل الحسنات الله يشكرها *
ولكن حذف فاء الجواب لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، فلا يحمل عليه كلام الله سبحانه وتعالى، فمِنَ التكلف البعيد دَعَوى مَنْ يزعم بأن الوصية هنا مبتدأ، وأنها واقعة في صدر جواب الشرط والفاء محذوفة.
وقولُه سبحانه: ﴿ لِلْوَالِدَيْنِ ﴾(): الجار والمجرور متعلقتان بالوصية؛ لأجل تأويل الوصية بمعنى الإيصاء، أي الإيصاءُ أو التوصية للوالدين.
و﴿ والأقربين ﴾() هم سائرُ ذَوِي قرابة الإنسان من غير والدَيْه.