فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ٢٦٤الله سبحانه، وإذا كان الحديث الأحادي لا ينسخ المتواتر من الحديث فكيف يُنسَخُ القرآنُ الذي هو أقوى حجة من المتواتر من الحديث بحديث آحادي؟ وأُجِيبَ عن هذا: بأن الحديث وإن كان أحاديا فإنه مُعْتضدٌ بالإجماع، وتَلَقَّته الأمة بالقبول، وأجْمَعَ المسلمون سلفًا وخلفًا على الأخذ به، ولذلك جاز النسخ به. ورُدَّ ذلك: بأن انعقاد الإجماع يخرجه عن كونه أحاديا، فإما أن يكون النسخُ بالإجماع نفسه، وإما أن يكون النسخُ بالحديث. أما الإجماع فلا ينسخ القرآنَ ولا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الاعتماد على الحديث، فالحديثُ لم يخرج عن كونه أحاديا. على أنّ دعوى الإجماع هنا مردودةٌ؛ نظرًا إلى أن هذا الحديث لَمْ يَحُزْ ثقةَ البخاري ومسلم، فلم يُخْرِجَاهُ في صَحِيحَيْهِمَا، فكيف يُقال بعد ذلك إن الأمة تلقته بالقبول؟
وذهب آخرون إلى أن النسخ كان بآيات المواريث في سورة النساء وبالحديث معًا، فالحديث اعتضد بآية المواريث، وعند هؤلاء يعد الحديثُ مُبَيِّناً لِمَا دلّت عليه آية المواريث. وذَهَبَ آخرون إلى أن الآية الكريمة غير منسوخة بل هي مُحْكَمة، وقد قال بهذا القول طائفة من علماء السلف، وذهب إليه من العلماء المتأخرين الإمام محمد عبده، وسمعتُ شيخنا أبا إسحاق اطفيش يعتمد عليه ويرجّحه في تفسيره لِهَذه الآية في دروسه التفسيرية التي سمعتُها منه.