فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ٢٦٥ومُؤدَّى هذا القول: أنّ الوالدين قد لا يرثَان، ومع عدم استحقاقهما الإرث للمانع الذي يمنعهما منه لا يَمْنعهما ذلك حق الوالدية، فالله سبحانه وتعالى َوصَّى بالوالدين على أي حال؛ إذ يقول: ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ﴾()، ويقول: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلى الْمَصِيرُ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ﴾() ومن المصاحبة بالمعروف في هذه الدنيا أن يصلهما الإنسان بعد موته، وصلتُه لَهُمَا بعد موته بالوصية. فالآية الكريمة -على هذا القول- هي في الوالدَيْن المشركين، إذ مَنَعَهُما من إرثهما عدمُ دينونتهما بالإسلام الذي يدين به ولدُهما، إذ لا يرث الكافرُ المسلمَ ولا المسلمُ الكافر.
وعدَمُ إرث الكافر من المسلم أمرٌ مجتمع عليه ولا خلاف فيه، ولكن هل تجوز الوصية للكافر؟
الجمهورُ على جوازها، وممّا يدل عليه: أن أمَّ المؤمنين صفية -رضي الله عنها- أوصتْ بجزء من مالِهَا لابن أخيها الذي كان لا يزال على اليهودية.
أمّا الذين ذهبوا إلى أن الآية نُسِخَ بعضها وبقي بعضها: فقولُهم أقرب إلى أن يكون من باب اعتبار أن هذه الآية الكريمة مُخَصَّصَةً بالحديث الشريف، وتخصيصُ العمومات القرآنية بالأحاديث أمرٌ واردٌ حتى ولو كان الحديث أحاديا. وهذا القول مرويٌّ عن طائفة من العلماء، منهم ابنُ عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد قال: نُسِخَ منها الوالدان وبقي الأقربون الذي لا يرثون. وقد كان النسخُ يستعمل في عُرف السلف بمعنى التخصيص، وروي ذلك عن الحسن والضحّاك وأبي مِجْلَز وقتادة وعددٍ من علماء التابعين ومَن بعدهم.
وهنا تأتي مسألة وصية الأقربين: