فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ٢٦٦هل وصية الأقربين واجبة؟ أو غير واجبة؟ عدا الوالدين اللذين يرثان، لأنها لا تجوز لَهُما ولا لمن يرث بالإجماع، وإن كان الإمام محمد عبده تسامح كثيراً في هذه القضية، وقال بأن الابن له أن يوصي لأحد والديه إن كانا يرثانه؛ لأجل اعتبار دفع الحاجة، وذلك كأنْ يُطَلَق أبوه أمّه، وتكون أمه غير قادرة على الكسب، وأبوه قادر عليه، ولو أُعطيت حصتها من الإرث فقط لَمَا أغنتها شيئا، فيوصي لَهَا بما يزيد على هذه الِحصّة. هذا القول وإن نَسَبَه إلى بعض السلف هو قولٌ بعيد، فإن كان يريد أن يَبَرَّ أمه فليعطها شيئا في حياته، ولا يخصها بالوصية بعد موته. هذا والقول بوجوب الوصية للأقربين ذهب إليه عدد كبير من علماء السلف، فقد روي عن ابن عباس كما جاء في تفسير ابن جرير وغيره، وروي أيضا عن الضحّاك، حتى أن ابن جرير وغيره أخرجوا عنه أنه قال: مَنْ مات ولم يوص لأقربيه فقد مات على معصية. وجاء أيضا نحو هذا عن قتادة والحسن ومسروق، وقد شدَّد مسروق النكيرَ على من أراد أن يوصي وصية رآها مسروقٌ لا تليق، وذَكَرَ له أن فِعْله هذا ينافي القرآن، وعليه أن يُسَلِّم لقَسْم ِ الله سبحانه وتعالى، فيوصي لأقربيه الذين لا يرثونه بالمعروف، ويترك الباقي على قسم الله تبارك وتعالى.
وروي أيضاً عن أبي مِجلَز ونصر بن يسار وعدد كبير من علماء التابعين وغيرهم، وهذا القول هو قول داود الظاهري، وإسحاق بن راهويه، وقد رواه البيهقي عن الشافعي في القديم.
وقد اتفق أصحابُنا على وجوب الوصية للأقربين الذين لا يرثون، وعوّلوا عليها وحرصوا على تطبيقها، فما من وصية يكتبها الإنسان منهم إلا ويوصي فيها لأقربيه الذين لا يرثونه، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإن هذه صلة فرضها الله سبحانه وتعالى للقرابة بعد الموت، كما فرض الله سبحانه وتعالى صلتهم في الحياة.