فتـاوى الوصية
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٦الإثم يشمله، حتى ولو كان المعطي ناسيا أو غافلا فأعطاه في حين غفلته أو نسيانه أكثر من حقه، بل عليه أن يذكره وألا يقبل أكثر من حقه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من نار). وإذا كان الوصي ذاكرا منتبها وأعطى الموصى له فإنما التبعة تقع على الاثنين المعطى والآخذ. وهكذا إذا أعطى الوصي غيب الموصى له، فإذا أوصي لأحد بحق وأعطى الوصي غيره فإنه يعد مبدلا، فالتبديل يكون بإعطاء أحد حق غيره، ويكون بحرمان أحد من حقه، ويكون بزيادة العطاء لأحد فوق ما يستحق. ثم تفرع عن ذلك الحكم حكم آخر وهو إذا ما خاف الوصي أو الشاهد أو أي أحد أن يحيف هذا الموصي على أحد كيف يتصرف؟ إن الله سبحانه وتعالى حذر من التبديل، وجعله من الأمور التي تستلزم الوعيد: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم ﴾()، ثم جاء التفريع الآخر الخارج من هذا التفريع؛ فهو في حكم الاستثناء له؛ وذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم ﴾(). ﴿ فمن خاف ﴾()؛ ما هو الخوف المراد هنا؟
الخوف حقيقة هو: انفعال النفس لتوقع مكروه، ولكن يطلق مجازا على نفس التوقع، فالسؤال الذي يتجه هنا كيف يخاف أحدٌ جنفاً أو إثماً من قبل الموصي، مع أن الخوف من شيء متوقّع مستقبل، وهنا قد وقع هذا الأمر فعلاً، فكيف يطلق الخوفُ على تأثر النفس بالشيء الواقع لا بالشيء المتوقع؟
وقد أجيب عن ذلك بأن الآية تحتمل أمرين: إما أن تعني الحالة التي تكون قبل وفاة الموصي عندما يريد أن يوصي، فإذا حضره أحد وأحس من هذا الموصي شيئا يفضي إلى الحيف على أحد