فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٢٣١أما القاعدة التي استند إليها الدكتور القرضاوي بانياً عليها قوله بعدم وجوب زكاة الحلي: وهي أن الزكاة تجب فيما كان نامياً من الأموال، دون ما لا يصلح للنماء، فهي قاعدة غير متفق عليها، لأن جعل النماء وعاءً للزكاة إنما هو رأي طائفة من الفقهاء فحسب، ونازع في ذلك آخرون، والمسائل المختلف فيها لا يرفع خلافها إلا الرجوع إلى القواعد المجمع عليها دون المتنازع فيها، وكيف يلزم أحد قولاً مبنياً على أصل لا يسلم له، على أنا نقول: إن الذهب والفضة بطبيعتهما مؤهلان للنماء، ولا يخرجهما عن ذلك استعمالهما حلياً؛ لأن الحلي لا ينتقص من قيمته مرور الزمن ولا يستهلكه الاستعمال، وبإمكان صاحبه عند حاجته إلى إنمائه أن يتصرف فيه ببيع، فينمي قيمته أو يحول عينه إلى نقد إن كان ذهباً أو فضة، هذا عندما كانت العملة المتبادلة في البيع والشراء لا تخرج عن كونها من أحد الصنفين.
هذا كله لو سلمنا لتلك القاعدة، ونحن لا نسلم لها؛ لأن الزكاة ضرب من ضروب العبادات ومناطها التوقيف، فإذا فرضها الشارع في جنس لم يكن لأحد أن يخرج شيئاً من أفراد ذلك الجنس عن حكمها إلا بتوقيف آخر، (( ولا حظ للنظر مع الأثر)).
هذا وتعتضد أدلة الوجوب العامة التي أشرنا إليها بأدلة خاصة ناصة على ما تفيده تلك بعموماتها منها:
1. … / ما رواه أبو داود والحاكم والدار قطني والبيهقي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: دخل علي رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فرأى فتخات من ورق، فقال: (( ما هذا يا عائشة؟ )) فقالت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: (( أتودين زكاتهن؟ )) قالت: لا، أو ما شاء الله. قال: (( هو حسبك من النار )) قال الحافظ ابن حجر إسناده على شرط الصحيح وأورد عليه أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ الرواية لهذا الحديث كان من مذهبها عدم تزكية الحلي، فقد روى ابن أبي شيبة عن القاسم قال: كان مالنا عند عائشة، وكانت تزكيه إلا الحلي، ومثله عن عمرة.