فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥ومهما قيل في هذه الأدلة فإن اعتضادها بالعمومات الصحيحة الثابتة يقوي الأخذ بها والاستناد إليها، وليت شعري ما هي الروايات التي تقوى على معارضة هذه الروايات أو التي تصلح لتخصيص تلك العمومات؛ فإن كل ما أستند إليه القائلون بعدم وجوب زكاة الحلي أو هي حجة وأضعف سنداً من هذه الأدلة، إذ لا يوجد لديهم نص على إسقاط زكاة الحلي إلا حديث واحد أخرجه ابن الجوزي عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: (( ليس في الحلي زكاة ))، وهو معلوم بعافية بن أيوب، الذي نص البيهقي على أنه مجهول، ولا عبرة بقول ابن الجوزي: (( ما نعلم فيه حرجاً )) ولا بقول المنذري: (( لم يبلغني فيه ما يوجب تضعيفه ))، فإن مثل هذا القول لا يعد تعديلاً. وهو حديث واحد معارض بثلاثة أحاديث هي أصح منه سنداً وأقوى متناً وأوضح دلالة، ومن القواعد المتبعة في الترجيح تقديم المثبت على النافي وليس لديهم نص آخر.
أما استدلالهم بقول: النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ (( يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن ))، فليس فيه ما يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأن الصدقة في الحديث غير محصورة في صدقة الفرض، ومن الواضح جداً أن النساء حريصات على زينتهن ضنينات على استبقائها، لما جبلت عليه المرأة من حب الزينة، والحديث ورد مورد تحذير النساء من عقاب النار وحثهن على التوقي منه بالصدقة، ولو مما هو أحب شيء في نفوسهن، اختباراً لإيمانهن وهو من باب: (( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ))، فالحديث مستحث لهن إلى إيتاء الصدقة ولو من أعز ما يملكنه بعد أداء حق الزكاة منه اتقاءً لسخط الله، وهو كما لو قلت لأحد: تصدق ولو من كرائم أموالك. وليس فيه ما يدل أن الكرائم لا تزكى.