فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٣٥٧إن العاقل لينأي بنفسه عن موارد الإثم ومراعي الوباء ومنازل التهم، ومن سولت له نفسه أنه ـ وإن ركب متن الدواهي واقتحم لج الأخطار ـ في مأمن من السوء وسلامة من العطب، فهو امرؤ غرور لنفسه أو مغرور بها، وما من خطر يهدد سلامة الإنسان أخطر من عوامل الشر في نفسه، وناهيك أن عمر ـ رضي الله عنه ـ قد أشفق على نفسه من نفسه فلم يأمن عليها النفاق، وكان يسأل حذيفة ـ رضي الله عنه ـ صاحب سر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إن كان عنده نبأ عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بأنه أحد المنافقين، مع ما سمعه من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من بشائر الخير له، وما كان يتلى على ألسنة المسلمين من الثناء عليه بما هو أهله، وما هم إلا شهود الله في أرضه، فأنى لأحد أبناء عصرنا أو غيره من العصور الزاخرة بالفتن، المتعفنة من أمراض النفوس أن يزكي نفسه ويأمن عليها من هواها، فيمد لها حبل رغباتها في إسبال الثوب أو غيره، مدعياً أنها بمنأي من الريبة، مأمونة من الخيلاء والبطر؟ ! ألا ما أقتل هذا الغرور وما أعظم هذه المصيبة ! وما أشر هذه البلوى. أيرى هذا الغرور نفسه أبر وأطهر وأتقى وأزكى من نفوس أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذين مثلهم في التوراة والإنجيل، وقد عطر القرآن الكريم أرجاء الكون بنشر محامدهم، وتخليد ذكرهم بحسن ثناء الله عليهم، وهم خير القرون قطعاً بشهادة أصدق خلق الله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، فأين ـ لعمر الله ـ الغزالة من الذبابة، والثريا من الثرى، والضراح من الضريح؟ ! وهيهات أن تعلو التخوم النجوم، أو يفضل الرعديد الصنديد، ونحن نجد فيما دوّن من أخبار رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وصح بالنقول الثابتة عنه أنه لم يكن يتسامح مع هؤلاء الصحابة الأطهار إن وجد أحدهم مسبلاً ثوبه، بل كان يتشدد النكير عليهم في ذلك ـ كما سنقف عليه إن شاء الله قريباً ـ، مع أنه ـ - صلى الله عليه وسلم -