فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٣٦٩وأما قول رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ " إنك لست ممن يصنعه خيلاء، " فلا حجة فيه لمن أدعى عدم حرمة الإسبال على من لم يتلبس بالخيلاء؛ لأن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ ما كان يتعمد الإسبال فلا ينطبق حكمه على من تعمده، وإنما كان استرخاء إزاره ـ رضي الله تعالى عنه ـ لنحافة جسمه، فكان لا يستمسك إلا أن يتعاهده، وما كان ـ رضوان الله عليه ـ يدعه مسترخياً بل كان يرفعه كلما استرخى، بدليل ما أخرجه أبو داود في سننه أنه قال: " إني لأتعاهد ذلك منه "، وقد دل على هذا ما ذكر من أوصافه ـ رضوان الله عليه ـ، فقد روى ابن سعد من طريق طلحة لن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان أبو بكر أحنى لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حقويه، ومن طريق قيس ابن أبي حازم دخلت على أبي بكر وكان رجلاً نحيفاً.
قال العيني: وسبب استرخائه كون أبي بكر أحنى نحيفاً لا يستمسك، فإزاره يسترخي عن حقويه، قال الكرماني: يصح أحنى بالحاء المهملة والجيم، ويقال رجل أحنى الظهر بالحاء المهملة ـ ناقصاً ـ أي في ظهره إحديداب ـ، ورجل أجنأ ـ بالجيم مهموزاً ـ أي أحدب الظهر، ثم إن الاسترخاء يحتمل أن يكون من طرف القدام نظراً إلى الإحديداب، وإن يكون من اليمين أو الشمال نظراً إلى النحافة، إذ الغالب أن النحيف لا يستمسك إزاره على السواء. وقال ابن القيم في التهذيب وكان رجلاً نحيفاً قليل اللحم، وكان لا يستمسك إزاره إذا شده على حقويه، فإذا سقط إزاره جره، فرخص له رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في ذلك وعذره.
وبهذا يتضح مراد النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بقوله " إنك لست ممن يفعله خيلاء "، فهو بمعنى لست ممن يفعله قصداً، وغاية ما يدل عليه أنه لا يأثم من استرخى إزاره بغير قصد، وإنما عليه أن يرفعه كلما تفطن له.