فتاوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتاوى العبادات

الجزء ١ · صفحة ٤١٧

• … قال الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في المعارج ( 6/ 66 ) وينهى عن تكثير المساجد وتقاربها في البلد الواحد، لما يؤول في ذلك من تشتت الجماعات وتفرق الأصحاب، وتقليل العمارة للمساجد، وتقوية الأجر الحاصل بكثرة الجماعة، وقال في موضع آخر منه ( ص68) ـ بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في فضل بناء المساجد ـ: ولعمري إن ذلك العموم مخصص، فلا يصح إبقاؤه على ظاهره، إذ لو جاز ذلك للزم أن يجوز بناء المساجد على عدد البيوت في القرية، ولا قائل بذلك، وما هو إلا منكر لو فعله أهل قرية وجب الإنكار عليهم، ولا يسمع تعللهم بأنهم لم يريدوا ضراراً.

هذا ونصوص أهل العلم في هذا أكثر من أن يحصيها يراع أو يتسع لها سفر، وما أوردناه كاف في تبيان منهجهم الحق، ولئن كان الحكم الشرعي فيما بني من المساجد مجاوراً لغيره بحيث يؤدي إلى تفريق جماعته هدمه ـ إن كان قائماً ـ، فكيف يسوغ إنشاؤه من جديد؟ إنه لمنكر لا قرار له في حكم الإسلام، ولو أوصى به من أوصى، فإن الوصية ـ كما قلت ـ لا تحق باطلاً، فكيف إن كانت أرضه غير مملوكة للموصي، ولم يقره مالكها على وصيته فيها، أو كان ـ مع ذلك ـ يؤدي بناء المسجد فيها إلى مضرة أحد بعينه، أو مضرة لمصلحة عامة الناس؟

وقد نص العلماء على حرمة بناءه المسجد في الأرض المغتصبة، على أن كل ما كان بخلاف مقتضى الشرع فهو مردود، لقول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ( 1 )، وفي رواية " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ( 2)، ورفع المضار أياً كانت من مقاصد الشريعة الغراء، وفي الحديث " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " ( 3 )، ولا داعي إلى إيراد ما قالوه في ذلك لشهرته.

هذا، ولأن المساجد بيوت الله المقدسة التي لم يأذن سبحانه فيها إلا بما يؤذن بقدسيتها، كان بناؤها في رأي أهل العلم موقوفاً على التشاور بين أهل الصلاح والنظر والاتفاق عليه.

٤١٧ / ١٬٤٠٦