فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ٣١نعم، ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه الربيع والشيخان وغيرهم من طريق عائشة ـرضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب«، وجاء في رواية: »ما يحرم من الولادة«، وفي رواية أخرى من طريقها أيضًا: »إنما الرضاع مثل النسب«، وهذه الرايات كلها تفيد قاعدة فقهية ينضبط بها حصر المحارم من قبل الرضاع، إلا أن من الفقهاء من استثنى بعض الصور، وهي التي كانت الحرمة فيها في الأنساب لعلاقة خاصة بين الذكور والإناث، ولا تتحقق في الرضاع، من حيث أن تلك العلاقة هي مناط حكم الحرمة بينهما، فإن انعدامها في الرضاع ينعدم به ذلك الحكم، وتبقى على أصل الإباحة، وهي صور عديدة، إلا أن الشائع منها صورتان وهي: أخت الابن وأم الأخ، فلا في حرمتها من قبل الأنساب؛ لأن أخت الابن في النسب لا تخلو إما أن تكون ابنة، وإما أن تكون ربيبة، وأم الأخ إما أن تكون أمًّا، وإما أن تكون حليلة أب، وفي كلتا الحالتين في كل واحدة من الصورتين لا مناص عن التحريم، أما في الرضاع فالكل من ذلك منْتَفٍ؛ فانتفت الحرمة بانتقائه، فأخت الابن إن كان هو الرَّاضع من أمها أو أرضعتهما امرأة أجنبية ليست أما ولا حليلة أب ولا ربيبة له، فلا موجب لحرمتها عليه، وكذلك مرضعة الأخ ليست أما ولا حليلة أب؛ فلا مُسوِّغ لتحريمها، وقد اقتصر على ذكر هاتين الصورتين جماعة من أهل العلم والتحقيق، منهم الزمخشري في الكشاف، وأبو حيان في البحر المحيط، وصاحب كنز الدقائق من علماء الحنفية، ونظم ذلك شيخنا العلامة ابراهيم بن سعيد العبري فقال:
واستثن من حكم "الرضاع كالنسب "
أم أخيه أمه في النسب
وأخت ابنه فإما ابنته
من ثم تحرمان بالإجماع
… أم أخ وأخت ابن ذي حسب
أولا فإنها حليلة الأب
بنفسه أو أنها ربيبته
من جهة الأنساب لا الرضاع