فتاوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتاوى النكاح

الجزء ٢ · صفحة ٤٥

وليس هذا فحسب بل لمالك قول بتحريمها عليه ولو دخل بها بعد العدة، وهو منصوص عليه في المدونة، بل حكى ابن الجلاب عنه أنها تحرم عليه بمجرد العقد، نقل ذلك القرطبي، وإذا كان هذا الحكم في وطء بني على عقد، وإن كان غير صحيح بل في نفس العقد غير الجائز، فما بالك بالزنى الصريح، أليس أحق بالحرمة الأبدية مع لزوم الحد الشرعي به؟ وقد علمت أن عمر _رضي الله عنه_ لم يقم الحد الشرعي على الذين فرق بينهما فرقة أبدية لتزاوجهما في أثناء العدة، بل اكتفى بتعزيرهما للشبهة الحاصلة.

وقد ثبت عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال في المتلاعنين: »لا يجتمعان إلى يوم القيامة«( )، وإذا كان الحكم في اللعان مع إمكان أن تكون المرأة بريئة فكيف بالزنى؟

أمَّا ما يُروى: من أن أوله سفاح وآخره نكاح؛ فهو محكي عن ابن عباس ـرضي الله عنهماـ، وليس عن عائشة، والله أعلم بصحته عنه، ومع تقدير صحته؛ فالأولى أن يحمل على ما لو زنى رجل بامرأة في جاهليتهما، فإن زناه بها لا يُحرِّمها عليه في الإسلام؛ لأن الإسلام جبٌّ لما قبله، وعلى أي حال فإنه قول موقوف على صحابي خالفه غيره من الصحابة، فلا تنهض به حجة.

وحديث: »لا ينكح المجلود إلا مثله« لا يقتضي بحال حصر النكاح في الذي جلد بسببه، حتى يعد دليلًا على جواز نكاح الزاني للمزني بها، وإنما يعني أن المحدود على الزنى ليس كفءًا لغير المحدود، وأما قياس الزنى على السرقة من البستان، فكما لا يحرم على السارق شراء البستان الذي سرق منه لا يحرم كذلك على الزاني أن يتزوج مزنيته، فهو قياس فاسد للبون الشاسع بين الأصل والفرع، فإن الإنسان لا يحرم عليه امتلاك بستان سرق منه أبوه أو ابنه، ويحرم عليه تزوج المرأة التي زنى بها أحدهما، ويجوز له أن يمتلك بستانًا كان ملكًا لأبيه أو ابنه ولا يجوز له أن يتزوج من كانت حليلة لأحدهما.

٤٦٤ / ١٬٤٠٦