فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ١٧٩وأنت ترى أن الإمام _ رحمه الله تعالى _ أجاب نظراً وأبان أنه لم يجد القول في المسألة عن أحد، وكان من اجتهاده أنه لا عبرة بما كان إبان شركه من الطلاق؛ لأن الإسلام جب لما قبله، وقد قال تعالى: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ( )، وجعل إطلاق الآية للعفو شاملاً للطلاق، وعليه ينهدم بالإسلام ما سبق من طلاق في حال الشرك، سواءً طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، ويستأنف ثلاث طلقات من جديد، والخلاف في المسألة مشهور، وبما قاله الإمام قال عبد الرحمن ابن عوف _ رضي الله عنه _ من الصحابة كما رواه عنه قتادة، إذ قال لسائله "ليس طلاقك في الشرك بشيء"، وبهذا كان يفتي قتادة، وقال به الحسن وربيعة، وهو قول مالك وأبي سليمان وأصحابهما، وأيده ابن حزم مستدلاً له بقول الله تعالى: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ ( )، وبقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"( )، قال: فصح بهذين النصين أن كل من عمل بخلاف ما أمر الله عز وجل به أو رسوله صلى الله عيه وسلم، فهو باطل لا يعتد به، ولا شك في أن الكافر مأمور بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ملزم ذلك، متوعد على تركه بالخلود بين أطباق النيران، فكل كلام قاله وقد ترك الشهادة المذكورة فقد وضع ذلك الكلام غير موضعه، فهو غير معتد.
ثم قال: فإن قيل: فمن أين أجزتم سائر عقوده التي ذكرتم، قلنا أما النكاح فلأن ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أقر نكاح أهل الشرك وأبقاهم بعد إسلامهم عليه، وأما بيعه وابتياعه؛ فلأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعامل تجار الكفار، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي في أصواع من الشعير، وأما مؤاجرته، استأجر ابن أرقط؛ ليدل به إلى المدينة وهو كافر، وعامل يهود خيبر على عمل أرضها وشجرها بنصف ما يخرج الله عز وجل من ذلك.