فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٦١إنا وإن قلنا بوجوب صلاة الجماعة على الأعيان لا نقول إنها ركن من أركان الصلاة أو شرط من شروط صحتها، وإنما نرى الجماعة واجباً مستقلا، وهذا هو الذي ذهب إليه كل من قال بوجوبها، ما عدا الظاهرية القائلين بأن الجماعة شرط صحة الصلاة، ولم يوافقهم على ذلك أحد، فمن ترك الجماعة وصلى منفرداً أثم ولم تلزمه الإعادة، وليس في قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((أفضل)) دليل على عدم الوجوب، فإن الصلاة نفسها ذات فضل ولكن تأديتها على وجهها المشروع أفضل، مثل ذلك مثل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ((نية المؤمن خير من عمله)) مع أن العمل الخالي من النية غير متقبل عند الله، على أن صيغة التفضيل تأتي حتى فيما بين الخير والشر المحض ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا[24] ﴾ ، مع أن مستقر أصحاب النار ليس فيه شيء من الخير، ومقيلهم ليس فيه شيء من الحسن، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ ، ولا خير في مشرك ولا مشركة، وليس في قصة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع علي ما يدل على إقراره على ترك الجماعة، بل في ضمن رده ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ على فاطمة إنكار لطيف لما صنع، على أن عليا ـ كرم الله وجهه ـ لم يعتمد ترك الجماعة وإنما ألجأه ما أصابه من إرهاق من قيامه الليل، وأما قصة محجن فغاية ما فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه عدم صلاته مع الجماعة اعتدادا بصلاته في أهله ـ وليس فيها أنه أقره على صلاته منفردا مع سماعه النداء، وإذا كان عدم دخول المصلي في جماعة وجدها بعد صلاته مما ينكر ـ فما بالك بالتخلف عن الجماعة ممن لم يصل، على أنه من المحتمل أن يكون محجن أدى تلك الصلاة في أهله جماعة، ويستأنس لذلك بقوله: ((صليت في أهلي))