فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٥فتيسير الصدقات من المطالب الشرعية من أجل تلبية داعي الفطرة، على أن الصداق المفروض فرضه الله سبحانه وتعالى من أجل التمييز بين الحلال والحرام، وجعله رمزاً لقوامة الرجل على المرأة، فلذلك لا عبرة بالمغالاة في المهور، فإنها لا تدل على قيمة المرأة، ولو كانت المغالاة دليلاً على قيمة المرأة لكانت أولى بذلك بنات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع علو أقدارهن وعظم مرتبتهن؛ لأنهن ينتسبن إلى النبي العظيم الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وشرفه على الخلق أجمعين، وأي أحد لا يجد شرفاً في الارتباط به ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن طريق المصاهرة؟ ! ولو كان الأمر كذلك لتسارع الناس إلى المغالاة في مهورهن من أجل نيل هذا الشرف العظيم، ولكن كانت صدقاتهن من أيسر الصدقات، وهكذا كانت صدقات المهاجرين والأنصار، فلم تكن هناك مغالاة في الصدقات، على أن هذه المغالاة ليست ناشئة عن رغبة الفتيات أنفسهن، وإنما هي ناشئة عن رغبة أوليائهن الذين يريدون أن يثروا من هذا الطريق، وهذا عار ليس بعده عار، ولئن كانت العرب في جاهليتها ترى من العار أن يثري الرجل من وراء الدية التي ينالها بسبب العفو عن قتل قريبه، فإن هذا العار أعظم وكأنه يبيعها بيعاً وهي بضعة منه، على أن هذا الصداق ليس للولي حق فيه، فإنه حق للمرأة وحدها، بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًاً ﴾ ( )، ولم يقل وآتوا أولياء النساء أو آباء النساء صدقاتهن نحلة، وإنما قال ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء ﴾ ( )، ثم جعل العفو عن جزء منه يعود إليهن لا إليهم، فهو حق لهن دونهم، ومحاولة الاستكثار من الصداق من أجل الإثراء من قبل هؤلاء الأولياء أمر يتنافى مع شريعة الله سبحانه وتعالى السمحة.