فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ١٤٢هذه المسألة ترتبط بالمسألة المعروفة عند أصحابنا بمسألة الانتصار، وعند غيرهم بمسألة من مَاله من غير علمه، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، فمذهب أصحابنا وطائفة من أصحاب المذاهب الأخرى جواز ذلك، وذهبت طائفة إلى المنع، وقد احتج المجيزون بأدلة، منها قوله تعالى: ﴿ والحرمت قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ (1) وقوله تعالى: ﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ﴾ (2)، وحديث هند بنت عتبة زوج أبي سفيان، الذي أخرجه الإمَام الربيع والشيخان من طريق ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وجَاء فيه أنها قالت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني مَا يكفيني وولدي، أفآخذ من مًله ماله بدون علمه؟ فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" خذي مًا يكفيك وولدك بالمعروف"(3)، واحتج المانعون بأدلة لا تقوى على مُعارضة أدلة المبيحين، أقواها حديث أخرجه أبو داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " أدِّ الأمَانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"(4) وهو حديث ضعيف الإسناد وفيه انقطاع، على أنه لو سلم أنه صالح للاستدلال به فإن دلالته على مَا ذهبوا إليه غير واضحة، إذ المنتصر آخذٌ لحقه وليس بخائن، ومَا أوردوه على أدلة المبيحين يمكن رده بدون أدنى تكلف، ولولا الشاغل عن الإطالة لأوضحت ذلك، وإذا ثبت جواز الانتصار فللمظلوم أن يقاص ظالمه بقدر حقه من غير زيادة، ولو كان من غير جنسه؛ على الراجح، غير أنه لا يباح اتخاذ الوَسائل المحرمة لذلك كالرشى والكذب وشهادة الزور، فإن اعتمد على شئ من هذه الوسائل فعليه التوبة من ذلك، كما أن عليه أن يرد مَا زاد على حقه. والله أعلم.