فتاوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتاوى المعاملات

الجزء ٣ · صفحة ١٩٢

استمد حكم السلم من تعامل الناس به بالمدينة المنورة، فقد هاجر إليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والناس يسلمون في الحبوب فأقرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ذلك، وإنما شرط عليهم أن يكون ذلك إلى أجل معلوم وبوزن معلوم أو كيل معلوم، واختلف العلماء من أجل هذا في السلم في الأنواع الأخرى مما يحتاج إليه الناس لغير مطعمهم، فمنهم من حصر الرخصة في الطعام وحده، لأنه حري بالتسامح فيه من أجل الاقتيات، وليس المقتات به كغيره، ثم إن هذه رخصة والرخصة لا تتعدى مكانها ولا يقاس عليها لأنها بنفسها خارجة عن سنن القياس، وكل ما خرج عن القياس فإن غيره عليه لا يقاس، وإنما كانت رخصة للنهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ومن المعلوم أن السلم لا يكون إلا في غائب غير موجود، ومنهم من أباحه في كل ما يمكن أن يضبط بضوابط تحدده، وكان مما يحتاج إليه الناس، فيدخل في ذلك كل ما يحتاج إليه الناس للباس أو غيره من ضروراتهم، على أن يكون ذلك له ضوابط تحدده كما تضبط الحبوب بالكيل والوزن، ومن المعلوم أن ضوابط الأجناس تختلف فمنها ما يدخل الوزن في ضبطه ومنها ما لا يكون بالوزن رأساً وإنما هو بطوله وعرضه وسائر أوصافه التي تراعى في قيمته، وما من ريب أن هذه المعاملة وإن كانت في أصلها رخصة والرخص لا تتعدى مواضعها إلا أن هذه الرخصة إنما كانت من أجل مراعاة حاجة الناس، لذلك كان الأخذ بها فيما تشتد إليه الحاجة أو يدخل في حكم الضرورة أرفق بالناس وأوفق بمصالحهم، خصوصاً في هذا العصر لحاجة الناس إلى الاستيراد لكثير مما يعد من ضرورات حياتهم، كالعتاد الحربي وآلات العمل وغيرها مما لا يمكن الحصول عليه إلا بالاستيراد، وقد يتعذر الاستيراد إلا بهذه الطريقة، على أن الدقة في ضبط أوصاف كل هذه الأشياء المطلوبة يمكن أن تحددها تحديداً دقيقاً حتى تكون في حكم الشيء المشاهد، وكثيراً ما تكون لها نظائر من قبل معروفة عند الجميع، وعندما تطلب يمكن أن

٩١٠ / ١٬٤٠٦