فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٢١٥هذه الأمور تراعى فيها الظروف والأحوال، فعندما تكون هنالك ضرورة، بحيث يكون في ذلك إنقاذ لنفس، ودفع هلكة، ففي مثل هذه الحالات يتسامح ما لا يتسامح في غيرها، كما تقول القاعدة الفقهية ( الشيء إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق) فإذا ضاق الشيء اتسع حكمه، وإذا اتسع هو ضاق حكمه، فلا بد من مراعاة مثل هذه الأحوال، ومع هذا إذا كانت هناك ضرورة داعية لمثل هذا فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى، وأن يغض من بصره، وأن يحذر من الشيطان ودخوله عليه والله أعلم.
شخص يملك عقاراً معيناً كمنزل أو محل يرغب في تأجيره، فإلى أي حد هو مطالب بالتأكد من المستأجر من ناحية كونه يستخدم فيه شيئاً من الحرام، كأن يرتكب في منزله شيئاً من المعاصي أو يبيع فيه شيئاً من المحرمات أو المشتبه فيها كالسجائر أو اللحوم غير المذكاة أو لحوم الخنزير أو نحو ذلك، فهل هو مطالب أن يتثبت عن ذلك، ثم إذا ثبت له بعدما استأجره أنه يستخدمه في شيء من المحرمات كيف يكون تصرفه معه؟
الأصل في الناس حسن الظن، خصوصاً المسلمون، وليس عليه التفتيش والتنقيب عن هذه الأحوال، والناس لا يتُجسس عليهم مسلمهم وكافرهم، لأن الله تعالى أطلق منع التجسس حيث قال: ﴿ ولا تجسسوا ﴾ (1) ولم يقل ولا يتجسس بعضكم على بعض، كما قال: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضا ﴾ (2)، وإنما أطلق النهي عن التجسس، فالتجسس الأصل فيه أنه ممنوع سواءً كان على المسلم أو على الكافر، وليس من الورع ولا من الإسلام أن يبقى الإنسان يتجسس على أحوال الناس، وما يفعله الإنسان بينه وبين ربه فهو المسئول عن ذلك، وإن تبين له أنه اتخذ ذلك البيت وكراً للفساد، كأن يفتح فيه ماخوراً أو يفتح فيه مخمرة أو يصنع فيه شيئاً من هذه الأشياء فهنا عليه الإنكار عليه، وعليه السعي إلى إنهاء العقد والله أعلم.