غاية المطلوب في الأثر المنسوب لعامر المالكي محققا
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٤ومن خطبة أبي حمزة المختار بن عوف - رحمه الله -: وقد بلغني يا أهل المدينة، في أصحابي أراذل، وهل كان أصحاب الأنبياء والصالحون قبل جبارين ولا مستكبرين، كانوا أوساطا متواضعين، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سبايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أسباهم، وقد قيل ذلك قبلنا في الصالحين، قال قوم نوح: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون، ولا كانوا أشيانا في أنسابهم، وإنهم لكهول في شبابهم، غنية عن الشين أعينهم، ثقيلة من الباطل أقدامهم، قد أكلت الأرض جباههم، وركبهم متواصل كلالهم بكلال ليلهم، قيام صيام النهار، أنضاء عبادة، كما قال الله: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ(1)، قد نظر الله إليهم في جوف الليل، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية بذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم عند أذنيه، وكلما مر بآية بذكر الجنة بكى شوقا إليها، حتى إذا نظروا إلى السيوف قد انتضيت، وإلى السهام قد فوقت، وإلى الرماح قد أشرعت، وارتعت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا وعيد الكتيبة بوعيد الله، ولم يستخفوا وعيد الله الكتيبة، فمضى الشاب قدما منهم، حتى إذا اختلفت رجلاه عن عنق فرسه، وتخضب محاسن وجهه بالدما وخرفا، سرعت سباع الأرض، وانحطت عليهم طير السماء، فكم عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل.
وكان جابر يقول: ما أمر الله قوما بالقتال فمضوا لأمره إلا نصرهم الله.
(1) الفتح/ 29.