التعارف بن بركة
الجزء ١ · صفحة ١٠قيل له: إنما أمرنا بذلك على وجه التعبد بسكون قلوبنا في تصديق المدعي لها بما عنده من اليسر الذي لا يجوز أن يتحرى غيره فيوافقه، إلا أن كان ذلك نادرا في الناس ، و النادر لا يعتمد عليه و لا يحتج به لأن اللقطة إذا جاء مزيد عليها ، مع العلامات التي لوازم الإنسان أن يتحرى إصابتها بالتحريض و الظن لبعد ذلك عليه ، و لم يتفق ذلك له ، فالقلب يسكن إلى صدقه بخروج هذا عن عادة الناس ، و لذلك جاءت السنة به ، و بالأمر بتسليمه ، فمن أتى بعلامة جاءت بها السنة ، و مما كان في معنى السنة مما تدل على صدق مدعيها ، و جاز الدفع بذلك ، و صح بما جاء ، وقلنا إنما تسكن إليه النفس ، و يطمئن إليه القلب ، ويشهد تصديقه كالعلم به.
و السنة شاهدة أيضا بما قلنا ما روى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل من أصحابه عند سؤاله إياه : " يا وابصة استفت نفسك "فأمره النبي عليه السلام أن يستدل على صحة ما يحتاج إلى علمه بدليل قلبه و سكون نفسه.
مما يدل على ذلك ما قلنا الإجماع من الأمة على جواز أخذ الهدية التي هي مال وغير تقية ، بل قالوا جمعيا إن جواز أخذها ، وزوال ملكها عن مهديها ، وحدوث ملكها لمن أهديت إليه بقول سكون القلب إلى صدقه من صبى أو عبد أو ذمى ، مع سكون القلب بالرسالة ، أو دليل يدله على ذلك ، ولم يذكر الرسول عند المهدى شيئا ألا ترى أنهم اجتمعوا جميعا لا خلاف بينهم أن المهدى إليه لو أنكرها قلبه ، ولم يكن في نفسه ما يدله على صدق الرسول بها ، أو رأى أن صاحبها ليس بينه وبين المهدى ما يوجبها لم يحل له أخذها .