التعارف بن بركة
الجزء ١ · صفحة ١٢وكذلك وجوب طاعة على الغرباء الذين يقدمون عليه من غيره مصره ولا يحتاجون إلى معرفته بالبينة العادلة ، بل يعلمون أنه إمام بالقلنسوة بين الناس ،و إنفاذ الأمر واجتماع الناس عليه ، والعلم يقع له بذلك ، وتجب معرفته عندهم بالدليل من قلوبهم ، فهذا دليل على أن العلم يقع على الإنسان بما يدل عليه قلبه ، وتسكن إليه نفسه .
وممما يدل على جواز ما قلنا ما عليه الناس ، وما نشاهده من أفعالهم بحضرة العلماء والحكام ، ولا ينكرون فعل الرجل يتزوج المرأة من وليها ، وهو غير عارف بها وله وصفها ، ثم تدخل امرأة تسلمها إليه امرأة أو امرأتان ، أو يجد جماعة من النساء في البيت الذي يدخل إليه ، ثم يتفرقن ويدعن واحدة ، فيعلم أنها زوجته ولا ينكر قلبه أنها غير زوجته ، ويستغنى بما يعلمه من سكون قلبه عن شاهدي عدل يشهدان أنها زوجته التي زوج بها ، وتسلم الولى لها ، أو يحتاج إلى إقرارها وخاصة مما يعلمه من البكر ، وما يقطعها من الحياء عن الجواب عنه ، فلو أخذنا بالنفس على ما تذهب إليه من جهل علم هذا الكتاب لاحتاج هذا الزواج إلى البنية العادلة مع إقرار المرأة ، وحضور الولى بالتسليم .
ومما يدل على ما قلنا ما حفظنا عن أبي معاوية عزان بن الصقر ، وهو غاية في باب الورع والزهد ، ومكانه في العلم لا ينكره إلا جاهل به ، فالرجل يشترى من العطار الزعفران والأشياء التي تشترى إلى البيوت فيأخذ المشترى ما يدفع إليه العطار مما وقع البيع عليه ، ومما يدفعه إليه العطار من الخيوط والقراطيس والشيء اليسير من الأشجار التي يصلح بها الأدهان ، والزيادة ومما اشتراه ولا يسأل العطار عن ذلك ، ولا يستحله من شيء منه ، ولا يرده عليه لعلمه بأن ذلك بطيب قلب صاحبه ما لم ينكره قلبه ، أن صاحبه غلط على نفسه فدفعه من غير علم .