التعارف بن بركة
الجزء ١ · صفحة ١٤قال : يكون بينه وبين صبى أو رجل فترى أنه قد مد يده إليك لتسلمه إليه كالرسول أو المناول ، واذا لم يكن ها ونحوه جاز لك أكله ، وهذا على المسلم أن يعمل ما تسكن إليه نفسه ، وكذلك الجلوس على دكاكين الدور والأسرة التى في الطرق وأبواب الدور .
وقد كان أبو المنذر يقول بجواز ذلك ويعمل به مع علمه وورعه ، وأخبرنى محمد بن يزيد بن الربيع قال : صحبت أبا عبد الله محمد بن محبوب إلى أن وافينا باب أحمد ابن هارون فجلسنا على أرجلنا فجاءنا إنسان بكرسيين فأقعدنا عليهما ، فأقبل أبو محمد فقال : اقعد عليهما ولم يضمنا إياهما إذا قمنا تركناهما ،ولعل هذا رأى غير العارية أو رآهما في حرز صاحبهما فيه ، وكان من قوله لأن الإنسان إذا أعاره رجل كرسيا ليقعد عليه أنه إذا انصرف وهو في بيت صاحبه تركه ، وإن كان في الطريق أو خارج البيت سلمه إلى ربه أو يدعه بأمره .
وقد كنت دخلت أنا وأبو خالد مع الشيخ أبى مالك رضى الله عنه على مريض في إعادة فقعدت أنا وأبو مالك على الكراسى وامتنع أبو خالد عن القعود عليهما حتى أذن له رب البيت ، وكان مريضا فقال الشيخ أبو مالك : القعود على الكراسى بغير أمر صاحب البيت جائز بالتعارف والعادة الجارية بين الناس ، فقال أبو خالد : صاحب البيت مريض ، فقال له الشيخ أبو مالك : وإباحة المريض لا تجوز ،م كما أن هبته وعطيته لا تجوز ، فقد كان ينبغى لك أن لا تقعد إذا قعدت بأمر وهو مريض .
وقد كنا صحبنا الشيخ أبا مالك إلى سرعوتب ، فلما كان في رجوعنا استقيت قوما فأسفونى ، وكان بعض أصحابنا به حاجة إلى شرب الماء ، فدفعت إليه ليشرب فامتنع و قال : إنما سألت لنفسك ، فقال الشيخ : هذا يعرف جوازه بسكون القلب والنفس لأن صاحب الماء حمله ليشرب لا ليختص به على بعض دون بعض ، قال الممتنع : فيه مخالفة لصاحب الماء
، لأن صاحب الماء قال : اشرب فليس له أن يشرب ويسقى غيره .