التعارف بن بركة
الجزء ١ · صفحة ١٦وأيضا فإن الأموال قد تزول ، وقد تصير حلالا بغير قول أر بابها بالتعارف والعادة التى يعرف دليلها القلب ، من ذلك بيع الثمار في أيام القيظ في رؤوس النخل أن المشترى أنما يشترى الثمرة فيأخذ معها ما لم يدخل في البيع عندها ، كالسعف اليابس والحطب والعسق ، وأشياء تطيب به نفوس أربابها ، يعلم جوازه بالعادة بين الناس ، وسكون القلب ما لم يرجع صاحبه إلى طلبه ، أو يعلم من تحرجه ومنعه .
وإن قال قائل : إنما جاز هذا في الثمرة المبيعة ، لأنه يدخل في البيع ، وإن لم يذكر فهو تبع للمبيع ، قيل هذا غلط منك ، ولو كان قلت قولا يلفت إليه ما كان لصاحبه الرجعة فيه ، فلما اجتمعوا على أن للحاكم أن يحكم برده على صاحب النخل إذا طلبه ، علمنا أنه لم يدخل فى البيع لما لم يطلب ذلك صاحبه من غير مانع علمناه بالعادة الجارية طيب النفس صاحبه به
وأخبرنا الشيخ أبو مالك رحمه الله أن أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله كتب إلى أخيه عبد الله رحمهم الله أن يبيع له مالا بعمان وهو بمكة يومئذ مقيم ، فامتنع أخيه عن بيعه ، وكتب يعتذر عن ذلك و قال : كيف أبيع مالا وأبيع وأزيل أصلا بكتاب وصلنى ، فكتب إليه أخوه : لأنا أجئ لا تخبر ، فإن الناس أموالهم تجري بمثل هذا فى المكاتبة . فقد أمره بفعل يعرف صحته بسكون القلب ، إذ رأى الخط والخطاب والعلامات علم صحة الرسالة ، وكذلك السفاتج التى تجرى بين الناس من بلد إلى بلد ، وتنفذالأموال بها ، فقد جاز إنفاذ الأموال بها الكثيرة ، بالرقعة الصغيرة ، وما لم يكن هناك ريب ولا شك فى القلب منها .
وكذلك يقضى الدين وزوال الحق عن المرسل بخبر الرسول ، وإن كان واحدا ما لم يرجع صاحب الحق فينكر ، فقد صح ما ذكرناه أن الدين الذى على المرء يزول فرضه وينتقل عن أهله بقول المخبر الواحد إذا لم يرتب المرسل والموكل .