التعارف بن بركة
الجزء ١ · صفحة ٣فالواجب على من أنعم الله عليه بالإسلام ، و خصه بشريعة الإيمان ، أن يبدأ بتعليم الأصول قبل الفروع ، و أن يثبت قواعد البيان قبل أن يرفع شواهق الأركان ، و من عرف معاني الأصول عرف كيف يبني عليه الفروع و من لم يعرف حقيقة الأصول كان حريا أن تخفى عليه أحكام الفروع .
فالواجب على من أتاه الله حاسة العقل ، و قطع بها عذره ، أن يناصح بها نفسه فيما كلفه من حاجة نفسه ، و مكنه من الأسباب المؤدية إلى درك ما ندب إليه ، و خص به لان أسباب العلوم و دلائل البنيان موقوفة على العقول ، و معلومة بها دون غيرها ، فبزوالها يزول عنه الخطاب ، و يسقط عنه العتاب ، و يجب بصحته الثواب و العقاب .
فجميع المعلومات يستدرك بها ، و هي على ضربين ، و تنقسم قسمين :
أحدهما : يدرك بالحواس و المشاهدة ، و هو أصل العلوم ، و أوائل الأدلة دلائل قلبه ، و لا علم يتقدمه ، و لا يقع فيه الاختلاف إلا بما يعلم بأحد الحواس كالسمع و البصر و الشم ، و الذوق و اللمس ، يستوى في معرفته كل من كانت له حاسة ، و صحت فيه مشاهدة ، و هذا الضرب يقع العلم به ضرورة ، و يعرف المعلوم منه بالحقيقة ، و عليه يصح البناء ، و عنه تتفرع الفروع .
و الضرب الثاني من العلم : هو علم الدلائل المستنبط بالعقول ، و يستدرك معناه بالبحث و النظر ، و بدليل العبرة ، و في هذا يقع الاختلاف و التنازع لكثرة فروعه ، و غموض أدلته و دقة معانيه ، و فيه تمييز فضل العلماء بما فضلهم الله به من الذكاء و الفطنة ، و جودة الرأي و حسن الطلب ، لاستخراج أحكام الله تعالى ، و حجج الله التي تعرف بها أحكام الكتاب و السنة ، و اتفاق الأمة ، و حجة العقل ، و قال الله تعالى جل ذكره : " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات " فالمحكم يعرفه السامع و المتشابه يكفر فيه العالم ، لأن في القرآن المعلوم و المخصوص ، و المجمل و المفسر ، و التصريح و الكناية .