التعارف بن بركة
الجزء ١ · صفحة ٥و لعل جميع ما تعبد الله به عباده من طريق الشريعة أن ما أخذ عليهم أن يخرجوا منه بما هو يقين عندهم ، بما يستدلون على معرفته بالعادة الجارية و الأحوال الظاهرة ، لا بما يعلم حقيقته إنما يقع بالحس و المشاهدة ، و ما يعلم بالاستدلال لا يوصل إلى معرفته إلا بظاهر الحال ، ألا ترى أن المصلي كلفه الله أن يصلي بثوب طاهر عنده ، و ذلك من اليقين معه ، فهو مؤد لصلاته خارج من فرضه باليقين الذي هو معه ، فهو مؤد لصلاته خارج من فرضه باليقين الذي هو معه ، فإذا تبين له أنه كان يصلي بثوب غير طاهر ، لم يكن مأثوما في فعله ، وإن خرج وقت الصلاة ، و رجع إلى صلاته و عادها ، و كذلك كلف أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم أن يجتهدوا في حكم الحوادث التي كلفهم الله الحكم فيها ، فإذا استدلوا و طلبوا ما كان عندهم أنه الحق الذي كلفهم إياه و قاسوا، و غلب على ظن كل واحد منهم قدأصاب الحق حكم به ، و حكم له بالثواب على ذلك .
ألا ترى أن الواحد منهم قد يحكم بإباحة فرج ، أو تمليك حال ، ثم يظهر على خبر عن الرسول صلى الله عليه و سلم بعد ذلك ، فيرجع إليه و يعمل به ، و يدع ما كان عمل به قبل ذلك ، و كذلك الناسخ و المنسوخ من الكتاب و السنة ، و هم مع ذلك يتولى بعضهم بعضا ، و هذا يدل على أن الإنسان إنما كلف أن يأتي بما هو حق عنده ، فمن اجتهد من حيث يجب الاجتهاد ، و استدل من وجه الاستدلال أصاب ما كلفه ، و هذا يتعلق بباب اجتهاد الرأي ، و ما اختلف فيه العلماء ، و كيف جرى بين الصحابة من الاختلاف فيما فيه بعضهم بعضا ، و إن قدر الله السلامة ، و وسع في الأجل ، أفردنا له كتابا ، و تبينا فيه وجه الصواب في ذلك و بالله توفيقنا .