وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦۤ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَاۤئِمࣰا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ یَدۡعُنَاۤ إِلَىٰ ضُرࣲّ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُیِّنَ لِلۡمُسۡرِفِینَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ١٢
الرسم الإملائيّ
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الجزء ١١الربع ٨٤ صفحة ٢٠٩
تفسيرها
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾ أصله ولو يعجل اللَّه الشرَّ تعجيلُه لَهُمُ الخيرَ ، فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لَهُمُ الخير ، إشعاراً بسرعةِ إجابته لَهُم ، والمراد : أهل مكَّة أو غيرهم ، كقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء ﴾ ، أي ، ولو عجَّلنا لهم الشرَّ الذِي دعوا بهِ كما نعجلُ لَهُمُ الخير ، ونجيبهم إِلَيْهِ ، ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لأُميتوا وأهلكوا ، ولكن ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ شِركِهم وضلالتهم إلى مضي آجالهم ، وذلك هُوََ الخذلان بعينه ، كأنَّه قيل : وَلاَ يُعجل لَهُمُ الشرَّ ، وَلاَ يقضى إِلَيْهِم أجلهم ، فنذرهم أي : نمهلهم فيِ طغيانهم ، ونفيض عَلَيْهِمُ النعمة مَعَ طغيانهم ، إلزاما للحجَّة عليهم. ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ﴾ أصابه ﴿الضُّرُّ ، دَعَانَا﴾ لإزالته ، ﴿لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا﴾ وفائدة ذكر هَذِهِ الأحوال ، أنَّ المضرور لاَ يزال داعيا لاَ يَفتر عَن الدعاء ، حتَّى يزول عَنْهُ الضرُّ ، فهو يدعو اللَّه فيِ حالاته كلِّها بلسان مقاله أو لسان حاله. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ فرَّجنا ﴿عَنْهُ ضُرَّهُ ، مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ أي : استمرَّ عَلَى طريقته الأوللى قبلَ مس الضر ، ونسيَ حال الجهد ، كأن لم يكن مِنْهُ ، وفيه ذَلِكَ . ﴿كَذَلِكَ﴾ مثل ذَلِكَ التزين ، ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ للمجاوزين الحدَّ عَلَى الكفر﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الانهماك فيِ الشهوات ، والإعراض عَن العبادات ، وترك للآيات.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٧٦
قوله : ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ ﴾ يعني المرض . والإِنسان ها هنا المشرك . ﴿ دَعَانَا لِجَنبِهِ ﴾ أي : وهو مضطجع على جنبه ﴿ أَوْ قَاعِداً ﴾ يقول : أو دعانا قاعداً ﴿ أَوْ قَائِماً ﴾ قال : ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾ أي : مَرَّ معرضاً عن الله عزّ وجلّ الذي كشف عنه الضر . ﴿ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾ ، أي : لنكشفه عنه .
﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ أي للمشركين ﴿ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٧٦
﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ﴾ الكافر ، والإِنسان المطلق لأَن من شأْنه ولو مؤْمناً القلق بالضر ﴿ الضُّرُّ ﴾ المرض أَو الفقر أَو الذل أَو غير ذلك مما يسوؤُه ، وعبر بالمس تلويحاً بأَنه يقلق من أَول الأَمر ، وتكذيباً لما يوهمه طلبهم الشر من القدرة عليه كيف تطلبونه وأَنتم لا تطيقونه ولا تصبرون عليه ، وبياناً لكونه لو قضى إِليهم لم يؤَخروه ولم يطيقوه على أَى حال كان من قيام أَو قعود أَو اضطجاع ملحا كما قال ﴿ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً ﴾ بالنصب على الحال ، أَى ثابتاً أَو مضطجعاً على جنبه الأَيمن أَو الأَيسر ، فاللام بمعنى على أَو ملقياً لجنبه على الأَرض ، فتكون على أَصلها إِلا أَنها للتقوية ، وأَو لتنويع الأَحوال فهى كالواو ، ويجوز أَن تكون لتنويع أَصناف المضار أَى لمرض لا يطيق معه القعود ولا القيام ، أَو لمرض يطيق معه القيام كالقعود أَو يطيق معه القعود كالاضطجاع لا القيام ، والأَول أَولى لعمومه وخصوص الثانى بالأَمراض ، وعلى كل حال ذلك غالب لا حصر لأَنه بقى الركوع والسجود والميل جانباً دون استواء قعود أَو اضطجاع ، والاستلقاءُ والانكباب على الوجه وهو نهى عنه ، فذلك تمثيل ، وقد يدخل الركوع فى القيام والميل والسجود فى القعود على معنى أَن القعود ماعدا الاضطجاع والقيام ، وكم مريض لا يطيق الاضطجاع أَولى بالتسلى لأَنه مظنة سكون ، وبعده القيام فإِنه مظنة اشتغال بعمل ، ومع ذلك لا يترك الدعاءَ والقعود دونهما فإِن فيه انتصاباً غير تام فأَخر . والله أَعلم ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ ﴾ دام على حاله من التقصير والغفلة ولو كان موحدا ، وعلى حاله من الكفر إِن كان كافراً ، أَو ذهب عن موضع الدعاءِ ، أَو عن الدعاءِ لا يرجع إِليه ، وهذا كثير فى أَهل التوحيد فلا يختص الإِنسان المذكور بالمشرك ، ولا يتعين اختصاصه به لقوله ﴿ وكذلك زين للمسرفين ﴾ لصحة أَن يكون المعنى تلك خصلة سوءٍ فيمن كان موحدا أَو مشركا كما زين للمشركين مطلق ما يعملونه من شرك ، أَو أَراد بالإِسراف الفسق بالشرك أَو بما دونه ، كل يلح فى الحاجة فإِذا حصلت ﴿ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ أَى كأَنه ، أَى الشأْن أَو الإِنسان الداعى ، وجوز سيبويه فى مثل ذلك أَن يرجع الضمير إِلى ما يصلح بالمقام لا إِلى خصوص الشأْن ، والجملة حال من ضمير مس ، والمعنى مشبها من لم يدعنا إِلى إِزالة ضر مسه أَو فى شأْن ضر بالدفع على أَن تكون على بمعنى فى ، والأَصل الأَول وهو بعد الكشف كحاله قبل الابتلاءِ والتضرع والقوة وعدم الضر . ومسه نعت ضر . قال أَبو الدرداءِ : ادع الله يوم سرائك يستجيب لك يوم ضرائك ، وعن أَبى هريرة وسلمان : من سره أَن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكروب فليكثر الدعاءَ فى الرخاءِ ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ من الاستغراق فى الشهوات وفى ترك العبادة واستعمال الجوارح فى المعاصى وقد خلقت للطاعة ، إِسراف كاستعمال المال فيما يضيع أَو يضر ، أَى مثل ذلك المرور على حاله من الدعاء عند الضر والإِعراض عند الرخاءِ قبل الابتلاءِ ، ولم أَقل مثل ذلك التزيين لأَنه لم يتقدم لفظ زين ولو كان فى ضمن ما ذكر ، ويجوز أَن يكون الكلام كناية كقولك مثلك لا يبخل إِلى جعل الكاف زائِدة على معنى أَنه زين للمسرفين ما كانوا يعملون ذلك التزيين .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٧٦