أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ رَجُلࣲ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرࣱ مُّبِینٌ٢
الرسم الإملائيّ
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ
الجزء ١١الربع ٨٣ صفحة ٢٠٨
تفسيرها
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾الكتاب: إشارة إِلىَ ما تَضمنته السورة مِنَ الآيات، ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ ؟ لإنكار التعجُب ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ، من أفناءِ رجالهم دون عظيم من عظمائهم ، قيل : كَانُوا يقولون: العجبُ أن الله لم يجد رسولا يرسله إلىَ الناس إِلا يتيمَ أبي طالب، لقوله : ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ هَذَا القرآن على رجلٍ مِنَ القريتين وذلك من فرط حماقتهم ، وقصور نظرهم عَلَى الأمور العاجلة ﴿أَنَّ لَهُمْ ﴾، بأَن لهُم . ومعنى : فيِ " للناس" ﴿كَذَا﴾ أنهم جعلوا لَهُم أُعجوبة يتعجبوب مِنْهُ ، والذي تعجبوا مِنْهُ أن يوحى إِلَى بشر ، وأن يكون رجلاً من سائرهم يرسله إِلىَ الناس ، وأن يذكّرهم بالبعث وينذِر بالنيران ، ويبشرَ بالجِنان ، وكل وَاحِد من هَذهِ الأمور ليس بعجب ، لأن الرسل المبعوثين إٍِلى الأمم ، لم يكونوا إِلاّ بَشرا مثلهم ، وإرسال اليتيم أو الفقير ليس بعجب أيْضاً ، لأَنّ الله تعالى إِنَّمَا يختار للنبوَّة من جميع أسبابها ، والغَنِى والتقدُّم فيِ الدُّنيَا ليس من أسبابها ، والبعث للجزاء عَلَى الخير والشر هُوَ الحكمة العظمى ، فكيف يكون عجبّا ، إِنَّما العجب والمنكَر فيِ العقول تعطيل ذَلِك ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾.أي: سابقةً وفضلاً ومنزلةً رفيعةً ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا ﴾ ، يعنون مُحَمَّدا صلى الله عليه وسلم﴿لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: كَذِبٌ بَينٌ.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٦٦
قوله : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ﴾ على الاستفهام ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ، أي : إنه ليس بِعَجَبٍ . وقد قال في آية أخرى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى ﴾ [ يوسف : 109 ] ؛ ولم يبعث الله رسولاً من أهل البادية ، ولا من الجن ، ولا من النساء .
قوله : ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾ أي : عذاب الله في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا ، كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم حين كذبوا رسلهم .
وهذا جواب من الله لقول المشركين حيث قالوا : ﴿ وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمْ ﴾ أي على عبادتها ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾
[ سورة ص : 6 ] . وقال في الآية الأخرى : ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ سورة ص : 5 ] . فقال الله : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ أي بأن أوحينا
﴿ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ يعرفونه ويعرفون نسبه .
قوله : ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ أي سلف صدق عند ربهم أي إنهم يثابون به الجنة . كقوله : ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ [ الروم : 44 ] .
﴿ قَالَ الكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون القرآن . وبعضهم يقرأون : ﴿ لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون النبي ، وهم مشركو العرب . فأراد الله أن يحتج عليهم وأن يبيّن لهم؛ فقال تبارك وتعالى :
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ ، وفيها إضمار؛ قال في آية أخرى : ﴿ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ [ السجدة : 4 ] ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ والأيام كل يوم ألف سنة . قال : ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [ الحج : 47 ] .
قوله : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ﴾ .
ذكروا عن الحسن أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه : « ما تسمون هذه أو قال : هذا؟ قالوا : السماء . قال : هذه الرقيع ، موج مكفوف ، وغلظها مسيرة خمسمائة سنة ، وبينها وبين السماء التي فوقها مسيرة خمسمائة عام وغلظها خمسمائة سنة ، وبينها وبين السماء الثالثة مثل ذلك ، حتى عد سبع سماوات وأرضين هكذا . قال : وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين . وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة سنة ، وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام ، وبينها وبين الثالثة مسيرة خمسمائة عام حتى عدَّ سبع أرضين هكذا »
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى ، وعلى قرنه العرش . وَبَيْنَ شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول : سبحانك حيث كنت »
قوله : ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ قال الحسن : يعني في خلقه ، ما يحيي ويميت ، وما يرزق ويفعل . وهو كقوله : ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [ الرحمن : 29 ] . وقال مجاهد : يدبّره أي : يقضيه .
قوله : ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ يقول : ليس أحد يشفع يوم القيامة إلا أن يؤذن له . كقوله : ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾
[ البقرة : 255 ] وكقوله : ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [ الأنبياء : 28 ] وقال : ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [ غافر : 18 ] .
قوله : ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ يوم القيامة . يقول : إن الذي خلق السماوات والأرض ، ثم استوى على العرش ، يدبر الأمر ، والذي لا يشفع عنده إلا بإذنه ، هو ربكم ، أي فإن ذلكم الله ربكم فاعبدوه . أفلا تذكرون . إليه مرجعكم جميعاً ، يعني البعث يوم القيامة لأنهم لا يقرون بالبعث .
قوله : ﴿ وَعْدَ الله حَقّاً ﴾ [ أي في المرجع إليه ] ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ وهو كقوله : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ الله يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الأَخِرَةَ ﴾ [ العنكبوت : 20 ] أي : يوم القيامة . وقال مجاهد : ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ : يحييه ثم يميته ، ثم يبدؤه فيحييه .
قال : ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالقِسْطِ ﴾ أي : بالعدل ، أي : يجريهم الجنة . ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ وهو الذي قد انتهى حرّه . ﴿ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي موجع ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ . أي : إن ذلك جزاؤهم بما كانوا يكفرون .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٦٦
﴿ أَكَانَ ﴾ استفهام تعجيب أَو إِنكار للياقة تعجبهم منه تعجب إِنكار فإِنهم تعجبوا منه منكرين له ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ متعلق بكان لأضن التحقيق أَن كان وأَخواتها دوال على الحدث ، أَو حال من قوله ﴿ عَجَباً ﴾ وهو خبر كان واسمها ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ أَى أَكان للناس إِيحاؤُها عجبا ، والعجب استعظام أَمر خفى سببه ، أَو حالة تعترى الإِنسان من رؤية شىءٍ على خلاف العادة ، أَو حالة تعترى الإِنسان عند الجهل بسبب شىءٍ ﴿ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، يقولون : العجب أَن الله سبحانه وتعالى لم يجد رسولا لا يرسله إِلا يتيم أَبى طالب لا مال له ولا جاه؛ لجهلهم أَو لعنادهم ، فإِن خفة المال أَليق بالاشتغال بأَداءِ الرسالة ولم يثبت عندهم أَن كل نبى له مال واسع ، ولا أَن كل نبى له جاه ، وإِن وقع لبعضهم مال كإِبراهيم وسليمان وأَيوب ، أَو يحتمل أَن يكون المعنى إِلى رحل لا مالك ، أَبعث الله بشرا رسولا ، لو شاءَ لأَنزل ملائِكة ، وهذا أَكثر فى القرآن ، ويناسبه قوله منهم فإِنه ليس لو كان من سائِر العرب لرضوا ، وأَما عزة نسبه وبلاغته وعفته وأَمانته فلا ينكرونها ﴿ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ﴾ تفسير لأَوحينا إِليك إِنذار الناس ، فأَن مخففة والذى عندى أَن حرف المصدر لا يدخل على الطلب أَو الإِنشاء اللهم على تقدير القول ، أَى أضنه قبل له : أَنذر الناس ، ثم رأَيت للجمهور والإِمام أَبى حيان أَنه لا يدخل على الإِنشاء لأَن المصدر لا يدل عليه ، واعترض بأَنه يفوت معنى المضى والاستقبال أَيضاً إِنما دخلت على الأَخبار . قلت : اعتراض باطل لأَن المصدر صالح فى المعنى للمضى والاستقبال استعمالا ، وأَيضاً يدل على الحدث والزمان لازم للحدث ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أَى بأَن لهم قدم صدق ، وإِنما عمم الإِنذار وخص التبشير بالذين آمنوا لأَنه لا يخلوا مكلف عن شىءٍ وينذر فيه ، وليس فى الكفار ما يبشرون به فخص التبشير بهم . ويجوز أَن يراد بالناس الكفار المعهودون فى قوله : أَكان للناس ، وعلى الأَول يدخلون بالأولى ، وقدم الصدق المنزلة الرفيعة سميت باسم قدم المشىلأَن السبق بها فهو سبق إِليها كما يسمى النعمة يداً لأَنها تكسب بها وتعطى بها ، وذلك من باب التسمية بالآلة والسبب ، والمراد الأَعمال الصالحة ، وأَضافها للصدق تنبيها على تحقيقها وإِخلاصها لله عز وجل ، ويجوز أَن يراد الثواب ، وقيل : السعادة فى علم الله أَو فى اللوح . وقيل : شفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقدم فى هذه الأَقوال بمعنى أَنه يقدم على تلك الأَشياء ، وحذف المنذر به للتهويل وشمول كل من يصلح ، وذكر المبشر به ترغيباً فى الطاعة وثوابها ، وقدم الإِنذار لأَن التخلى قبل التحلى ، وفسر قدم بسابقة سبق لهم خير عند الله وهو عملهم المخزون عنده ، أَو ثوابهم أَو الأَصل القدم الصادقة ، وأُضيف المنعوت للنعت ، وجعل المصدر وهو الصدق موضع اسم الفاعل فيؤول لقدم هى الصدق ، أَو قدم الأَمر الصادق ، ويقال : القدم مجاز مرسل عن السبق لكونه سبباً وآلة ، والسبق مجاز عن الفضل والتقدم المعنوى إِلى المنازل الرفيعة ، فهو مجاز بمرتبتين وإِن جعلنا السبق عاماً للمعنوى والحسى فالمجاز بمرتبة ، وقيل : المراد تقدمهم فى دخول الجنة .
قال صلى الله عليه وسلم : « نحن السابقون الآخرون يوم القيامة » ، وقال صلى الله عليه وسلم : « الجنة محرمة على الأَنبياء حتى أَدخلها وعلى الأُمم حتى تدخلها أُمتى » ، وقيل : القدم محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قَالَ الْكَافِرُونَ ﴾ هؤلاءِ المتعجبون عبر عنهم باسم الكفر إِيذانا بأَن تعجبهم صور عن كفرهم أَو مطلق الكافرين ﴿ إِنَّ هَذَا ﴾ أَى القرآن المشتمل على رسالة محمد أَو ما جاءَ به محمد قرآناً أَو غيره ، والأَول أَولى لأَن السياق جاءَ بالكتاب وهو القرآن لا بعموم الوحى ، إِلا أَن يتكلف أَنه ذكر إِشارتهم العامة فى غير المحل ﴿ لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهر . وفى وصفهم القرآن بالسحر إِقرار بأَنهم رأَوا من القرآن أَمراً خارقاً للعادة من البلاغة والإِخبار بالغيوب مع عجزهم عن معارضته ، ولو لم يخرق العادة لم يسموه سحراً ، والمراد بالسحر ما حص من معالجة السحر للأَنفس ، المعنى المصدرى . وقيل هذا إِشارة إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسحر مبالغة أَو بمعنى ذو سحر أَو ساحر .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٦٦