تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة يونس

الجزء يونس · صفحة ٠
[سورة يونس — آية 2]

﴿ أَكَانَ ﴾ استفهام تعجيب أَو إِنكار للياقة تعجبهم منه تعجب إِنكار فإِنهم تعجبوا منه منكرين له ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ متعلق بكان لأضن التحقيق أَن كان وأَخواتها دوال على الحدث ، أَو حال من قوله ﴿ عَجَباً ﴾ وهو خبر كان واسمها ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ أَى أَكان للناس إِيحاؤُها عجبا ، والعجب استعظام أَمر خفى سببه ، أَو حالة تعترى الإِنسان من رؤية شىءٍ على خلاف العادة ، أَو حالة تعترى الإِنسان عند الجهل بسبب شىءٍ ﴿ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، يقولون : العجب أَن الله سبحانه وتعالى لم يجد رسولا لا يرسله إِلا يتيم أَبى طالب لا مال له ولا جاه؛ لجهلهم أَو لعنادهم ، فإِن خفة المال أَليق بالاشتغال بأَداءِ الرسالة ولم يثبت عندهم أَن كل نبى له مال واسع ، ولا أَن كل نبى له جاه ، وإِن وقع لبعضهم مال كإِبراهيم وسليمان وأَيوب ، أَو يحتمل أَن يكون المعنى إِلى رحل لا مالك ، أَبعث الله بشرا رسولا ، لو شاءَ لأَنزل ملائِكة ، وهذا أَكثر فى القرآن ، ويناسبه قوله منهم فإِنه ليس لو كان من سائِر العرب لرضوا ، وأَما عزة نسبه وبلاغته وعفته وأَمانته فلا ينكرونها ﴿ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ﴾ تفسير لأَوحينا إِليك إِنذار الناس ، فأَن مخففة والذى عندى أَن حرف المصدر لا يدخل على الطلب أَو الإِنشاء اللهم على تقدير القول ، أَى أضنه قبل له : أَنذر الناس ، ثم رأَيت للجمهور والإِمام أَبى حيان أَنه لا يدخل على الإِنشاء لأَن المصدر لا يدل عليه ، واعترض بأَنه يفوت معنى المضى والاستقبال أَيضاً إِنما دخلت على الأَخبار . قلت : اعتراض باطل لأَن المصدر صالح فى المعنى للمضى والاستقبال استعمالا ، وأَيضاً يدل على الحدث والزمان لازم للحدث ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أَى بأَن لهم قدم صدق ، وإِنما عمم الإِنذار وخص التبشير بالذين آمنوا لأَنه لا يخلوا مكلف عن شىءٍ وينذر فيه ، وليس فى الكفار ما يبشرون به فخص التبشير بهم . ويجوز أَن يراد بالناس الكفار المعهودون فى قوله : أَكان للناس ، وعلى الأَول يدخلون بالأولى ، وقدم الصدق المنزلة الرفيعة سميت باسم قدم المشىلأَن السبق بها فهو سبق إِليها كما يسمى النعمة يداً لأَنها تكسب بها وتعطى بها ، وذلك من باب التسمية بالآلة والسبب ، والمراد الأَعمال الصالحة ، وأَضافها للصدق تنبيها على تحقيقها وإِخلاصها لله عز وجل ، ويجوز أَن يراد الثواب ، وقيل : السعادة فى علم الله أَو فى اللوح . وقيل : شفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقدم فى هذه الأَقوال بمعنى أَنه يقدم على تلك الأَشياء ، وحذف المنذر به للتهويل وشمول كل من يصلح ، وذكر المبشر به ترغيباً فى الطاعة وثوابها ، وقدم الإِنذار لأَن التخلى قبل التحلى ، وفسر قدم بسابقة سبق لهم خير عند الله وهو عملهم المخزون عنده ، أَو ثوابهم أَو الأَصل القدم الصادقة ، وأُضيف المنعوت للنعت ، وجعل المصدر وهو الصدق موضع اسم الفاعل فيؤول لقدم هى الصدق ، أَو قدم الأَمر الصادق ، ويقال : القدم مجاز مرسل عن السبق لكونه سبباً وآلة ، والسبق مجاز عن الفضل والتقدم المعنوى إِلى المنازل الرفيعة ، فهو مجاز بمرتبتين وإِن جعلنا السبق عاماً للمعنوى والحسى فالمجاز بمرتبة ، وقيل : المراد تقدمهم فى دخول الجنة .

قال صلى الله عليه وسلم : « نحن السابقون الآخرون يوم القيامة » ، وقال صلى الله عليه وسلم : « الجنة محرمة على الأَنبياء حتى أَدخلها وعلى الأُمم حتى تدخلها أُمتى » ، وقيل : القدم محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قَالَ الْكَافِرُونَ ﴾ هؤلاءِ المتعجبون عبر عنهم باسم الكفر إِيذانا بأَن تعجبهم صور عن كفرهم أَو مطلق الكافرين ﴿ إِنَّ هَذَا ﴾ أَى القرآن المشتمل على رسالة محمد أَو ما جاءَ به محمد قرآناً أَو غيره ، والأَول أَولى لأَن السياق جاءَ بالكتاب وهو القرآن لا بعموم الوحى ، إِلا أَن يتكلف أَنه ذكر إِشارتهم العامة فى غير المحل ﴿ لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهر . وفى وصفهم القرآن بالسحر إِقرار بأَنهم رأَوا من القرآن أَمراً خارقاً للعادة من البلاغة والإِخبار بالغيوب مع عجزهم عن معارضته ، ولو لم يخرق العادة لم يسموه سحراً ، والمراد بالسحر ما حص من معالجة السحر للأَنفس ، المعنى المصدرى . وقيل هذا إِشارة إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسحر مبالغة أَو بمعنى ذو سحر أَو ساحر .

١٬٣٦٦ / ٦٬٢٣٦