سورة يونس · الآية ٣٠ من ١٠٩

‹ السورة السابقة
هُنَالِكَ تَبۡلُوا۟ كُلُّ نَفۡسࣲ مَّاۤ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُوا۟ یَفۡتَرُونَ٣٠
الرسم الإملائيّ

هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

الجزء ١١الربع ٨٥ صفحة ٢١٢

تفسيرها

[سورة يونس — آية 30]

﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾ تُختَبَر وتَذُوق﴿مَّا أَسْلَفَتْ﴾ مِنَ العمل ، فتعرف كيف هُوَ ، أقبيح أم حسن.﴿ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ ربهم الصادق ﴿في﴾ ربوبيَّته ، لأَنَّهُم كَانُوا يَتَوَلَّون مَا ليس لربوبيتَّه حقيقة ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ وضاع عَنْهُم مَا كَانُوا يَدَّعُون أنَّهم شركاء لله.

﴿قُلْ : مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ﴾ من يستطيع خلقهما وتسويتهما عَلَى الحد الذِى سُويَا عليه مِنَ الفطرة العجيبة ، أو من يحميهما مِنَ الآفات مَعَ كثرتهما فيِ المدد الطوال ، وهما لطيفان يُوذِيهما أدنى شىء. ﴿وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: الحيوان والفرخ والزرع والمؤمن والعالم مِنَ النطفة والبيضة والحب ، والكافر والجاهل وعكسها ، ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ومن يلي تدبير أمر العالم. ﴿فَسَيَقُولُونَ : اللّهُ ﴾ فسيجيبونك عند سؤالك أنَّ القادر عَلَى هَذِهِ هُوَ الله ، ﴿فقل﴾ لَهُم:﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ الشركَ فيِ العبوديَّةِ ، إذَا اعترفتم لَهُ بالربوبيَّة.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٩٤

[سورة يونس — آية 30]

قوله : ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ ﴾ . ذكروا أن مجاهداً قال : هنالك تختَبِر كل نفس ما أسلفت ، أي تختَبِر ثواب ما أسلفت في الدنيا .

وقال بعضهم عن مجاهد : تخبُر . وهي تقرأ على وجه آخر : ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُوا ﴾ أي تتبع كل نفس ما أسلفت .

ذكروا عن ابن مسعود أنه قال : تحشر الأمم بأوثانها وما كانت تعبد من دون الله .

قوله : ﴿ وَرُدُّوا إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الحَقِّ ﴾ والحق اسم من أسماء الله . وهو كقوله ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحَقُّ المُبِينُ ﴾ . وكقوله : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ البَاطِلُ ﴾ [ لقمان : 30 ] .

قوله : ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ عن عبادتهم الأوثان .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٩٤

[سورة يونس — آية 30]

﴿ هُنَالِكَ ﴾ فى ذلك المقام المهول المدهش أَى المكان الحقيق وهو أَرض الموقف أَو الشأْن ، وهو مكان مجازا ويجوز أَن تكون ظرف مكان أَى فى ذلك اليوم على الاستعارة كقوله هنالك ابتلى المؤمنون وقدم هنالك لقديم المقام ﴿ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ﴾ تختبر كل نفس مؤمنة أَو كافرة ما قدمت من خير أَو شر ، ويجوز أَن يراد المشركون خاصة ووجه الاختبار أَن النفس قد تنسى فتترقب ما لها أَو عليها فذلك الترقب كالاختبار ، أَو تبلو مجاز عن تعرف لأَن الاختبار سبب للمعرفة وملزوم لها ، ومعرفة ما أَسلفت من العمل معرفة لجزائِه من خير أَو شر ، أَو يقدر مضاف أَى جزاءَ مَا أَسلفت أَو ما أَسلفت هو الجزاءُ ، لأَن تقديم موجبه فى الدنيا تقديم له ﴿ وَرَدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ ﴾ عطف على تبلو والضميران لكل نفس والجمع باعتبار أَن الرد على طريق الاجتماع لا كل نفس على حدة ، رد الذين أَشركوا إلى جزاءِ الله والرد معنوى أَو ردوا إِلى موضع جزاءٍ الله فالرد حسى وأُضيف المولى إِليهم باعتبار أَنه مآلهم يردون إِليه للعقاب ، رد العبد العاصى إِلى مولاه ليضربه ويسجنه مثلا ، وإِذا قيل ليس الله مولى لهم فمعناه أَنه لا ينصرهم فلا منافاة بين قوله مولاهم الحق وقوله تعالى : إِن الكافرين لامولى لهم ، لأَن معنى الآية فى كل واحدة غيره فى الأُخرى ولا يصح القول عن السدى ، أَن الأُولى منسوخة بالثانية ، لأَن الإِخبار لا يدخله النسخ ولأَنه لا بد أَن الله مولى الذين آمنوا فى نفعهم وأَنه لابد أَنه غير مولى للذين كفروا فى نفعهم فى الآخرة وأَمر الدين ووصفه بالحق رداً عليهم فى اتخاذ الآلهة الباطلة التى ليست بحق التى لا تتولى أَمرهم وإِنما متولى أَمرهم الله ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ الضمير للمشركين خاصة فى الموقف فلا ينافى قوله عز وجل : إِنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ، ولا وجه للتوقف فى الأَصنام هل تبقى بعد إِحضارها أَو تفنى مع هذه الآية ويظهر لى أَنها تعقل فى المحشر وتنطق بإِذن الله عز وجل ، ثم يزال عقلها ونطقها كحالها قبل ، وتدخل معهم النار يعذبون بها ويستحسرون بها ﴿ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ يثبتونه آلهة على الكذب ويجوز أَن يراد بالضلال عدم النفع أَو المعنى ضل عنهم كونهم يفترون أَن آلهتهم تشفع لهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٩٤