قُلۡ مَن یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن یَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن یُخۡرِجُ ٱلۡحَیَّ مِنَ ٱلۡمَیِّتِ وَیُخۡرِجُ ٱلۡمَیِّتَ مِنَ ٱلۡحَیِّ وَمَن یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَیَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ٣١
الرسم الإملائيّ
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
الجزء ١١الربع ٨٥ صفحة ٢١٢
تفسيرها
﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾ تُختَبَر وتَذُوق﴿مَّا أَسْلَفَتْ﴾ مِنَ العمل ، فتعرف كيف هُوَ ، أقبيح أم حسن.﴿ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ ربهم الصادق ﴿في﴾ ربوبيَّته ، لأَنَّهُم كَانُوا يَتَوَلَّون مَا ليس لربوبيتَّه حقيقة ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ وضاع عَنْهُم مَا كَانُوا يَدَّعُون أنَّهم شركاء لله.
﴿قُلْ : مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ﴾ من يستطيع خلقهما وتسويتهما عَلَى الحد الذِى سُويَا عليه مِنَ الفطرة العجيبة ، أو من يحميهما مِنَ الآفات مَعَ كثرتهما فيِ المدد الطوال ، وهما لطيفان يُوذِيهما أدنى شىء. ﴿وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: الحيوان والفرخ والزرع والمؤمن والعالم مِنَ النطفة والبيضة والحب ، والكافر والجاهل وعكسها ، ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ومن يلي تدبير أمر العالم. ﴿فَسَيَقُولُونَ : اللّهُ ﴾ فسيجيبونك عند سؤالك أنَّ القادر عَلَى هَذِهِ هُوَ الله ، ﴿فقل﴾ لَهُم:﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ الشركَ فيِ العبوديَّةِ ، إذَا اعترفتم لَهُ بالربوبيَّة.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٩٥
ثم قال للنبي عليه السلام : ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾ وهو على الاستفهام ﴿ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ ﴾ أي : أن يذهبهما أو يبقيهما . ﴿ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ يعني النطفة والحبة . أي : يخرج من النطفة الميتة الخلق الحي ، ويخرج من الخلق الحي النطفة الميتة ، ويخرج من الحبة اليابسة النبات الحي ، ويخرج من النبات الحي الحبة اليابسة . وهذا تفسير مجاهد .
وقال الحسن : يخرج المؤمن من الكافر ، ويخرج الكافر من المؤمن .
﴿ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ أي فيما يحيي ويميت ، ويقبض ويبسط ، وينزل الغيث ، ويدبّر الأمر في السماوات والأرض . ﴿ فَسَيَقُولُونَ الله فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ أي : الله . وأنتم تقرون بالله عزّ وجلّ أنه هو الذي يفعل هذه الأشياء ثم لا تتقونه ، وتعبدون هذه الأوثان من دون الله .
﴿ فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحَقُّ ﴾ أي الذي تقرون أنه خلقكم؛ والأوثان هي الباطل ، أي : الأموات ، لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون .
﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ ﴾ والحق هو الله . يقول : فماذا بعد الحق ﴿ إِلاَّ الضَّلاَلُ ﴾ أي : إلا هذه الأوثان . وقال بعضهم : الباطل : إبليس . قوله في سبأ : ﴿ قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ البَاطِلُ ﴾ يعني إبليس ، يقول : وما يبدىء إبليس خلقاً ﴿ وَمَا يُعِيدُ ﴾ [ سبأ : 49 ] أي : وما يعيده كما لم يبدئه ، فكذلك لا يعيده ، والله هو المبدىء وهو المعيد .
قوله : ﴿ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ أي : فكيف تصرف عقولكم فتعبدون غيره ، وأنتم مقِرّون أنه خالق هذه الأشياء .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٩٥
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾ أَىْ يجمع لكم الرزق ، منهما يحصله منهما معاً لا من واحد فقط فإِن الطعام بالماءِ وبالأَرض ، فالإِنسان يشرب الماءَ ويعمل الطعام به ، والطعام بالنبات بالماءِ والحيوان بالنبات والماءِ ، وأَيضاً النبات باختلاف الفصول حرارة وبرداً وتوسطاً وحرارة الشمس والقمر والأَرض بحرارتها شتاءً وبردها صيفاً ، ويجوز أَن يكون أَن لكم رزقاً من السماءِ وهو الماءُ ورزقاً من الأَرض ، ومن للابتداءِ ، ويجوز أَن يكون المعنى من يرزقكم من أَهل السماءِ أَو من أَهل الأَرض فمن للبيان والمراد بأَهل السماءِ والأَرض غير الله ، فإِنه لا يجوز أَن يكون فيهما بل فى كل موضع بعلمه وقدرته وتصرفه والاستفهام للتقرير ويصح للإِنكار ، أَى لا رازق لكم من أَهلهما ، وعلى فرض وصف أَنه من أَهلهما باعتبار ملكه إِياهما فكأَنهم قالوا يرزقنا الله لا غيره منهما ، والآية رد على القدرية أَن الحلال رزق من الله تعالى والحرام يرزقه الإِنسان نفسه ، فإِن الحرام أَيضاً رزق من الله تعالى يعاقب الإِنسان على تناوله ﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ ﴾ أَى محال السمع وهى الأُذن ومحال البصر وهى الأَبصار أَى العيون والسمع بمعنى الأَسماع بفتح الهمزة ، ويجوز أَن يكون معناه إِدراك الصوت فيقدر وبصر الأَبصار أَى من يملك إِدراك الأَصوات ونظر الأَبصار فيقدر مضاف ، وكل علىّ يقول سبحان من أَبصر بشحم وأَسمع بعظم وأَنطق بلحم . ويجوز تفسير الملك باستطاعة خلق السمع والبصر وتسويتهما أَو بالحفظ من الآفات مع سرعة تأَثرهما بالفساد بأَدْنى شىءٍ ، وملك الشىءٍ سبب للتصرف فيه بلا يعجز عن التصرف والحفظ له وقوله : أَم من يملك السمع والأَبصار أَعم معنى من قولك أَم من يملك خلق السمع والأَبصار أَو حفظ السمع والأَبصار ، وإِفراد السمع لفظاً لانفراد متعلقه وهو الأَصوات بخلاف البصر وأَخواتهما ، أَو لأَنه مصدر وأَم منقطعة بمعنى الإِضراب الانتقالى بلا استفهام لوجوده بمن بعدها ﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ ﴾ الحيوان من النطفة ومن البيضة ومن الماءِ ومن العفونة الميتات ، والنطفة وما فى البيضة وهما ميتات من الحى ، وكذا الحيوان إذا مات فهو ميت خرج من حى هو نفسه قبل الموت فلا يخرج عند ذلك ما مات بعد خروجه من ميت وهو جميع الحيوانات والملائكة من ميت ، وهو النور والتسبيح وإِبليس من ميت هو النار ، بل الملائِكة حيوان بلا طعام ولا شراب ولا منهما والحيوانات خلقت من طعام وشراب ويصدق الميت على الوسائِط كالطعام والنطفة والعلقة والمضغة واللحم والعظم فكل ذلك ميتات ، وفسر بعضهم الآية بالمؤمن من الكافر والعكس ، وليس بظاهر لأَن الآية سيقت وعظاً للمشركين وهم لا يعتبرون ذلك ، والآية شاملة للميت بلا تقدم حياة كالمتعفن الذى هو من تراب أَو وسخ إِذا تولد منه شىءٌ .
﴿ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ فى كل مخلوق وبين الخلائِق الأَجسام والأَعراض ما مضى وما حضر فى الدنيا وما قبلها وفى الآخرة وما يأْتى وهذا تعميم بعد تخصيص ، ومعنى تدبير الأَمر تحصيله على حسن العاقبة أَو تحصيل أَسبابه وإِيجادها لا تفكر منه والقول به إِشراك لأَنه تضمن جهلا وعجزاً حاشاه ، وهذه خمسة أَسئِلة جوابها منهم كما قال ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللهُ ﴾ ويأْتى سؤال سادس وسابع وجوابهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعليم الله عز وجل له لعدم قدرتهم عليه ، وجواب الثامن لم يذكر ، وإِن جعلنا من يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى واحداً كانت سبعة ، والله خير لمحذوف تقديره فاعل ذلك كله الله ، أَو هو الله أَو نحو ذلك ، إذ لا يتمكنون من أَن يقولوا فعل ذلك غيره لظهوره وإِقرارهم به قديما وحديثاً ﴿ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ أَى أَتمهلون أَنفسكم فلا تتقون عقابه إِذا كان هو الفاعل لذلك وتتركون عبادة من لا يقدر على شىءٍ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٩٥