سورة يونس · الآية ٣٩ من ١٠٩

‹ السورة السابقة
بَلۡ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمۡ یُحِیطُوا۟ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا یَأۡتِهِمۡ تَأۡوِیلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَیۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِینَ٣٩
الرسم الإملائيّ

بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ

الجزء ١١الربع ٨٥ صفحة ٢١٣

تفسيرها

[سورة يونس — آية 39]

﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع ، قبل أن يفقهوه كنه أمره ، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه ، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم ، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم .﴿كذلك﴾ مثل ذلك التكذيب ، ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ويجوز أن يكون ﴿وَلَمَّا يَأْتِيهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ولم يأتهم بعد ، تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب ، ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ مآل أمرهم.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٠٣

[سورة يونس — آية 39]

قوله : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ أي : إن محمداً افتعل هذا القرآن؛ على الاستفهام . أي : نعم ، قد قالوا افتراه ، أي : افتعله .

قال الله : ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ﴾ أي مثل هذا القرآن ﴿ وَادْعُوا مِنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله ﴾ حتى يشهدوا أنه مثل هذا القرآن ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ . يقول : إن كنتم صادقين فأتوا بسورة مثله؛ أي : إنكم لستم بصادقين ولا تأتون بسورة مثله . ثم قال :

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ أي : لم يكن لهم علم بما كذبوا أن الله لا يحيي الموتى ، ولا يجزي الناس بأعمالهم بعد الموت . ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ [ أي : ولم يأتهم تأويله ] ، أي : الجزاء به ، أي : ثوابه . يقول : ولو قد أتاهم تأويله لآمنوا به حيث لا ينفعهم الإِيمان .

﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني قوم نوح وعادا وثمود ومن بعدهم . ﴿ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ أي : المشركين . ذكر بعضهم قال : كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ، أي : أهلكهم بتكذيبهم رسلهم ثم صيّرهم إلى النار .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٠٣

[سورة يونس — آية 39]

﴿ بَلْ كَذَّبُوا ﴾ أَى سارعوا إِلى التكذيب بدليل قوله ﴿ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ فإِنهم كذبوا قبل أَن يتعرفوه وقبل انتظار تأْويله ، وذلك عجلة ومسارعة للهوى ، أَو للعناد فأَنى لهم افتخار بالعناد كما يسمعون أَولادهم بالعاصى بمعنى أَنه قوى لا يلين لأَحد . . . وقال شاعر :

فعاند من تطيق له عنادا … والعناد يكون قبل العلم وبعده ، والمراد القرآن ، ويجوز أَن يكون المراد مضمونه من البعث والجزاءِ وما يخالف دينهم ، ومعنى الإِضراب ذمهم على العناد وأَمره بالإِعراض عن تحديهم بأَن يأْتوا بسورة فإِنهم ليسوا أَهلا لذلك لكونهم مكبي على العناد ، والواو للحال أَو عاطفة على لم يحيطوا إِلخ ، وتأْويله عاقبة ما فيه من قولك أَولت الشىءَ بمعنى أَرجعته ، فالله جل وعلا يرجع أَلفاظ القرآن إِلى حضور معانيه الذى من شأْنه أَن ينتظر وقوعه ، وهو وقوع ما أَخبر من الغيوب وقبول الأَذهان بالتفكر فيه ، أَو المراد العذاب ، ولو جاءَهم العذاب لم ينتظر بعد ، ولم ينفعهم شىءٌ ، والنفى بلما دليل على أَنه سيأْتيهم تأويله ، وقد أَتاهم قبل نزول هذا الآية بعضه ، فأَخبر الله أَنهم كذبوا قبل التأْويل ، ولما جاءَهم التأْويل استمروا على الكفر ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ رسلهم وأَنبياءَهم بلا تأَمل أَو عنادا فأُهلكوا ، أَن يهلكوا كما أُهلك من قبلهم كما قال ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ من الهلاك كذلك تكون عاقبة قومك إِن لم يؤمنوا .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٠٣