ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ٦٣
الرسم الإملائيّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ
الجزء ١١الربع ٨٦ صفحة ٢١٦
تفسيرها
ثم وصفهم فقال:﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والنفاق جليهما وخفيهما.﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير موضع من كتابه ، وهي نعمتهم المعجلة في الحياة الدنيا ، وهم يتسلون بالعاقبة الباقية ، كما يتسلى أهل الدنيا بالعاجلة الفانية ، وشتان ما بينهما.﴿ وَفِي الآخِرَةِ﴾ هي الجنة. ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ﴾ لا تغيير لأقواله ، ولا اختلاف لمواعيده.﴿ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ينالون الفوز العظيم في الدنيا قبل الآخرة بدليل هذه الآية ، وهو نعيم معجل للأنفس الروحانية ، كما لضدهم عذاب أليم معجل في الدنيا. فهؤلاء خلقوا للعذاب فهم في العذاب دائمون في الدنيا والآخرة ، وهؤلاء خلقوا للنعيم فهم في النعيم دائمون في الدنيا والآخرة ، وكل ذلك عدل من الله تعالى لهؤلاء ، وفضل منه لهؤلاء.﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٢٧
قوله : ﴿ أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ أي : في الآخرة . ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ .
ذكروا عن عمرو بن دينار قال : قدم علينا فقيه من أهل مصر فسألته عن هذه الآية فقال : سألت عنها أبا الدرداء فقال : سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو تُرى له » .
قال : ﴿ وَفِي الأَخِرَةِ ﴾ يعني الجنة .
وتفسير الحسن : يبشّرهم الله في القرآن بالجنة ، كقوله : ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ [ البقرة : 25 ] . وقال : ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ [ يونس : 2 ] وقال : ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ الله فَضْلاً كَبِيراً ﴾ [ الأحزاب : 47 ] أي الجنة ، قال : ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ أي الجنة ، على الكلام الأول ، على قوله : ﴿ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ ﴾ .
وقال بعضهم : فازوا من الجنة إلى النار . وقال الحسن : الفوز العظيم : النجاة العظيمة من النار . قال الله : ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ [ آل عمران : 185 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٢٧
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ عقاب الله بامتثال الأَوامر واجتناب النواهى ، الاتقاءُ حذر المعاصى إِجلالا لله تعالى أَو خوفا من عقابه ، ومن يعصى ويتوب من قلبه لم يخرج عن اسم الاتقاءِ والتقوى لأَن ذلك مراتب منها ترك المعاصى إِلا نادرا يعاجل بالتوبة ومنها ترك المعاصى أَلبتة كالأَنبياءِ والملائِكة ، قيل : يا رسول الله من أَولياءُ الله؟ قال : « الذين إِذا رُءُوا ذكر الله تعالى » ، أَى تدعو حالهم إِلى طاعة الله وتقواه ، وقال صلى الله عليه وسلم : « لله يغبطهم الأَنبياءُ والشهداءُ لا فزع عليهم وهم أَولياءُ الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون » ، ونقول الأَنبياءَ أَفضل إِنما يتمنون حالهم لشدة الجمع بينهم وبين أَممهم لشأْن التبليغ ثم رأَيته والحمج لله تعالى لغيرى ، وقال عيسى عليه السلام : أَولياءُ الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين رفضوا الدنيا ولم يغرهم ظاهرها ، وهدموها وبنا بها الآخرة ، مبتدأ وخبره .
﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ ﴾ أَو خبر ثان لأَن أَو خبر لمحذوف كأَنه قيل من هم؟ فقال : هم الذين قيل ، أَو منصوب على المدح أَو نعت لأَولياءَ ، وفيه الفصل بالخبر ، وإِذا لم يجعل لهم البشرى خبرا فهو مستأْنف كأَنه قيل : ماذا لهم؟ فقيل : لهم البشرى إِلخ ، وفى الحياة متعلق بالبشرى أَو بلهم أَو بمتعلقه أَو حال من ضمير الاستقرار ، عن عبادة بن الصامت قال صلى الله عليه وسلم : « البشرى فى الدنيا الرؤيا الصالحة يراها الرجل أَو ترى له » ، رواه الحاكم . قال صلى الله عليه وسلم : « ذهبت النبوة وبقيت المبشرات » ، وقال صلى الله عليه وسلم : « الرؤيا الصالحة التى يتبشر بها المؤمن جزءٌ من ستة وأَربعين جزءاً من النبوة كما هو المشهور » ، وعن ابن عمر وأَبى هريرة : جزءٌ من سبعين جزءاً من النبوة ، ولا يختص التبشير بها بمن فى غاية درجات الولاية ، بل السعيد مطلقا ، ويجوز أَن يراها أَو ترى له ، ولو فى حال المعصية لأَنه يختم له بالسعادة فلا تهم ، ويجوز أَن تفسر بالرؤيا الصالحة وما يبشر به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يكون بالمكاشفة وما يبشره به الملائِكة عند النزع ، ويكون حديث عبادة تمثيلا لا حصرا ، ويدل على أَنه تمثيل ما روى مسلم أَن أَبا ذر رضى الله عنه قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أَرأَيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه ، قال : « تلك عاجلة بشرى المؤمن » فإِن هذا ليس حصراً أَيضاً ، وذلك بلا قصد منه للثناءِ بل يشتغل قلبه بالله فيفيض النور على ظاهره ، وينادى الملك للملائكة : إِن الله أَحب فلاناً فأَحبوه ويوضع له القبول فى الأَرض ، والبشرى فى الآخرة بعد الموت ويوم القيامة وقوله تعالى :
﴿ تتنزل عليهم الملائكة أَلا تخافوا ولا تحزنوا وأَبشروا بالجنة التى كنتم توعدون ﴾ قبل عند الموت ، وقيل بعده ، قال جل وعلا ﴿ بشراكم اليوم ﴾ ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ﴾ لوعده ولا لوعيده ولا لشىءٍ مما قضى ، وهذا لعمومه وكونه برهانا على عدم خلفه البشرى أَولى من التفسير بخصوص عدم خلفها ﴿ ذَلِكَ ﴾ إِشارة إِلى البشرى ، وإِنما ذكر بتأْويل التبشير أَو إِشارة إِلى ثبوتها إِذ قال لهم البشرى ﴿ هُوَ الْفَوْزُ ﴾ أَى المفوز به ﴿ الْعَظِيمُ ﴾ فتسل بذلك عن إِيذائهم وأَيقن كما قال :
﴿ وَلاَ يَحْزُنْك قَوْلُهُمْ ﴾ لست مرسلا ولا نبياً وإِنك مجنون أَو شاعر أَو ساحر أَو ما تأْتى به أَساطير الأَولين أَو يعلمك بشر . وفى هذا تهديد لهم ﴿ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ لا شىءَ منها لغيره فهو ينصرك عليهم ولا تنفعهم قوتهم بالمال والكثرة ، وهو تعليل جملى لقوله لا يحزنك ، كأَنه قيل لأَن العزة لله جميعاً كما قرأَ أَو حيوة بفتح الهمزة ، وهذا أَولى من أَن يكون استئنافاً بيانياً ، كأَنه قيل لم لا يحزنه؟ فقال : إِن العزة لله جميعاً ، لأَن الأَول هو المتبادر ، ولأَن يحزنك نهى لا إِخبار ، والاستئناف البيانى إِنما يحسن بعد الإِخبار وأَما بعد الطلب فيحتاج لتأْويل كأْنه قيل : لم نهى عن الحزن المتأَثر بأَحزانهم فقال إِن العزة إِلخ ، وهى على ظاهر ما يعطيكها الله أَو بمعنى القوة . وقد يقال على بعد أَن الجملة محكية بالقول على فرض أَن المشركين يقولون : العزة لله بلسانهم اعتقادهم لأَنها أَمر واضح لا محيد عنه ، والحزن يتصور منه صلى الله عليه وسلم لمخالفتهم مضمون ذلك ، وكذلك يبعد أَن يكون بدلا من القول ، كأَنه قيل لا يحزنك أَن العزة لله بفتح الهمزة على حد لا تكونن ظهيراً للكافرين ، ولا تدع مع الله إِلهاً آخر ، إِلهاماً وتهييجاً ، والمراد النهى عن التأَثر به ، وذلك أَنه السبب ، وجميعاً حال من الضمير فى الخبر ولم يؤَنث لأَن فعيلا من صيغ المصدر ، وهو يصلح بلفظ واحد لكل ما أُريد به ، ولو كان هذا وصفاً أَو توكيداً ، أَى إِن العزة جميعها لله ، وما تقدم أَولى ﴿ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ العليم بالأَصوات ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بالأَفعال والاعتقادات وكل شىءٍ ، فهو يعاقبهم على أَفعالهم وأَقوالهم واعتقاداتهم كبيرها وصغيرها ، ويجازيكم خيراً كذلك وينصركم ، وصغائِرِهم كبائِر لأَنهم أَصروا عليها وبالإِشراك .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٢٧