سورة هود · الآية ١٠٧ من ١٢٣

‹ السورة السابقة
خَٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ١٠٧
الرسم الإملائيّ

خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ

الجزء ١٢الربع ٩٣ صفحة ٢٣٣

تفسيرها

[سورة هود — آية 107]

﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ أي: مدة دوام السماوات والأرض ، والمراد: سماوات الآخرة وأرضها ، وهي دائمة مخلوقة للأبد ، والدليل على أن لها سماوات وأرضا ، قوله:﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ ، وقيل: ما دام فوق وتحت ، لأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم ، إما سماء أو عرش ، كل ما أظلك فهو سماء ، أو هو عبارة عن التأبيد ، ونفي الانقطاع ، كقول العرب:" ما لاح كوكب". ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ من الفريقين ، من تعميرهم في الدنيا ، واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث ، قبل مصيرهم إلى النار، يعني: هم خالدون فيهما إلا هذا المقدار ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٨٠

[سورة هود — آية 107]

قوله : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ﴾ أي : إن الجنة في السماء والنار في الأرض ، وذلك ما لا ينقطع أبداً .

قوله : ﴿ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ [ يعني ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم ] كقوله : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ [ الزمر : 71 ] وقال : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً ﴾ [ الزمر : 73 ] . فالزمرة تدخل بعد الزمرة ، إلا ما شاء ربك . قال : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٨٠

[سورة هود — آية 107]

﴿ خالِدِين فِيهَا مَا دامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ ﴾ المراد الخلود بلا غاية ، والسموات والأَرض منقطعة ، ولكن مثل بدوامها على طريقة العرب فى التمثيل لما لا انقطاع له بما له انقطاع بعيد كما يمثلون لا إِياس بالسبعين ، ويقولون لا أَكلمك ما دامت السماءُ والأَرض حاضت البنت وما أَطت الإِبل ، وما أَورق الشجر وما أَينع التمر ، وما سال سائِل وما جن ليل وما طلع فجر وما لاح كوكب وما طرق طارق وما نطق الحق وما غنت حمامة ، ومرادهم أَنه لا يكون كذا أبدا ، ومعلوم أَنهم لا يعيشون مدة بقاءِ السماءِ والأَرض ولا مدة ما ذكر ولو أُريد ظاهر الآية لم يبقث إِلا المفهوم ، إِذ يفهم أَنه إِذا زالت السموات والأَرض خرجوا منها بل يبقون فيها إِلى زوالهما وبعد زوالهما لا يخرجون للنصوص الدالة على الأَبدية المبطلة لهذا المفهوم ، فليس هذا المفهوم مرادا فى الآية ، ثم إن السموات والأَرض تفنيان يوم القيامة فكيف يدومون فى النار ما دامتا فالمراد والله أَعلم التمثيل لخلودهم فيها بمقدار بقائِها ، وقيل المراد سموات النار وأَرضها وهما أَبديتان وسمواتها سقوفها كما قال الله جل وعلا : ﴿ يوم تبدل الأَرض غير الأَرض والسموات ﴾ وفى هذه أَيضاً أَن المخاطبين لا يعرفون ثبوت هذا ولا قيام الساعة ، ويجاب عن هذا والذى قبله أَنه لا مانع من خطابهم بما لم يعرفوا لفائِدتين إِحداهما الاحتجاج مثلا والأُخرى الإِخبار بذلك الشىءِ ، وقيل ما دامت السموات والأَرض قبل زوالهن فإِذا زالت أَبدلهم الله خلودا ﴿ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّك ﴾ من مدة ، وهى ما بين قيام الساعة إِلى دخول النار فإِنهم يعذبون فى قبورهم بنار تارة ، وتعذب أَرواحهم فى سجين تارة بها ، والمستثنى منه هو المصدر الظرفى هو دوام السموات والأَرض ، لكن يبقى من يموت بقيام الساعة ، فإِنه لم يعذب قبله ، فإِِما أَن يحمل الكلام على الغالب لأَن من مات وعذب قبل قيامها أَكثر أَو يحمل الاستثناءُ فى بابه على الاستثناءِ من أَول ولا مانع من اختلاف أَحوال المستثنى ، أَو المدة المستثناة هى مدة كونهم فى الزمهرير فإِنهم تارة فى النار ، وتارة فى الزمهرير ، أَو المراد إِلا ما شاءَ ربك من الزيادة على قدر مدة دوام السماوات والأَرض ، وهى زيادة لا منتهى لها وإِلا فى هذا الوجه كالنعت أَو البدل ، أَى مدة دوام السموات والأَرض التى هى غير ما يزداد بعدها ، كقولك : لى عليك أَلف غير الأَلف السابق أَو غير الأَلف الذى سيكون من جهة كذا ، ذكر أَولا ما يعرف من المدة وزاد بعدها ما لا ينتهى ، ويجوز أَن يكون المستثنى مدة لبثهم فى الدنيا وبرازخهم والموقف ، وبرزخ كل أَحد ما بين موته إِلى بعثه كأَنه قيل نعم أَصحاب النار ، لا يخلون عنها إِلا ما سبق من المدة قبل وقت دخولها ، ويجوز الاستثناءُ من الزفير والشهيق والمعنى لهم فيها زفير وشهييق فى جميع أَوقاتها إِلا بعض الأَحيان فينقطع فيها زفيرهم وشهيقهم ، إِلا أَن هذا يشكل بأَنه ليس استثناءً تاما لعدم ذكر المستثنى منه ، ولا مفرغا لعدم السلب ، وبعض النحاة يكتفى بالمقدر فى ذلك كما رأيت ، والأَولى فى هذا جعل الاستثناءِ منقطعا ، وقيل المعنى : إِلا ما شاءَ ربك لو فرض أَنه تعالى وعز وجل يشاءُ إِخراجهم فهو تعليق بالحال فيكون ذلك برهانا على الأَبدية كقوله تعالى عز وجل :

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٨٠