تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة هود

الجزء هود · صفحة ٠
[سورة هود — آية 107]

﴿ خالِدِين فِيهَا مَا دامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ ﴾ المراد الخلود بلا غاية ، والسموات والأَرض منقطعة ، ولكن مثل بدوامها على طريقة العرب فى التمثيل لما لا انقطاع له بما له انقطاع بعيد كما يمثلون لا إِياس بالسبعين ، ويقولون لا أَكلمك ما دامت السماءُ والأَرض حاضت البنت وما أَطت الإِبل ، وما أَورق الشجر وما أَينع التمر ، وما سال سائِل وما جن ليل وما طلع فجر وما لاح كوكب وما طرق طارق وما نطق الحق وما غنت حمامة ، ومرادهم أَنه لا يكون كذا أبدا ، ومعلوم أَنهم لا يعيشون مدة بقاءِ السماءِ والأَرض ولا مدة ما ذكر ولو أُريد ظاهر الآية لم يبقث إِلا المفهوم ، إِذ يفهم أَنه إِذا زالت السموات والأَرض خرجوا منها بل يبقون فيها إِلى زوالهما وبعد زوالهما لا يخرجون للنصوص الدالة على الأَبدية المبطلة لهذا المفهوم ، فليس هذا المفهوم مرادا فى الآية ، ثم إن السموات والأَرض تفنيان يوم القيامة فكيف يدومون فى النار ما دامتا فالمراد والله أَعلم التمثيل لخلودهم فيها بمقدار بقائِها ، وقيل المراد سموات النار وأَرضها وهما أَبديتان وسمواتها سقوفها كما قال الله جل وعلا : ﴿ يوم تبدل الأَرض غير الأَرض والسموات ﴾ وفى هذه أَيضاً أَن المخاطبين لا يعرفون ثبوت هذا ولا قيام الساعة ، ويجاب عن هذا والذى قبله أَنه لا مانع من خطابهم بما لم يعرفوا لفائِدتين إِحداهما الاحتجاج مثلا والأُخرى الإِخبار بذلك الشىءِ ، وقيل ما دامت السموات والأَرض قبل زوالهن فإِذا زالت أَبدلهم الله خلودا ﴿ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّك ﴾ من مدة ، وهى ما بين قيام الساعة إِلى دخول النار فإِنهم يعذبون فى قبورهم بنار تارة ، وتعذب أَرواحهم فى سجين تارة بها ، والمستثنى منه هو المصدر الظرفى هو دوام السموات والأَرض ، لكن يبقى من يموت بقيام الساعة ، فإِنه لم يعذب قبله ، فإِِما أَن يحمل الكلام على الغالب لأَن من مات وعذب قبل قيامها أَكثر أَو يحمل الاستثناءُ فى بابه على الاستثناءِ من أَول ولا مانع من اختلاف أَحوال المستثنى ، أَو المدة المستثناة هى مدة كونهم فى الزمهرير فإِنهم تارة فى النار ، وتارة فى الزمهرير ، أَو المراد إِلا ما شاءَ ربك من الزيادة على قدر مدة دوام السماوات والأَرض ، وهى زيادة لا منتهى لها وإِلا فى هذا الوجه كالنعت أَو البدل ، أَى مدة دوام السموات والأَرض التى هى غير ما يزداد بعدها ، كقولك : لى عليك أَلف غير الأَلف السابق أَو غير الأَلف الذى سيكون من جهة كذا ، ذكر أَولا ما يعرف من المدة وزاد بعدها ما لا ينتهى ، ويجوز أَن يكون المستثنى مدة لبثهم فى الدنيا وبرازخهم والموقف ، وبرزخ كل أَحد ما بين موته إِلى بعثه كأَنه قيل نعم أَصحاب النار ، لا يخلون عنها إِلا ما سبق من المدة قبل وقت دخولها ، ويجوز الاستثناءُ من الزفير والشهيق والمعنى لهم فيها زفير وشهييق فى جميع أَوقاتها إِلا بعض الأَحيان فينقطع فيها زفيرهم وشهيقهم ، إِلا أَن هذا يشكل بأَنه ليس استثناءً تاما لعدم ذكر المستثنى منه ، ولا مفرغا لعدم السلب ، وبعض النحاة يكتفى بالمقدر فى ذلك كما رأيت ، والأَولى فى هذا جعل الاستثناءِ منقطعا ، وقيل المعنى : إِلا ما شاءَ ربك لو فرض أَنه تعالى وعز وجل يشاءُ إِخراجهم فهو تعليق بالحال فيكون ذلك برهانا على الأَبدية كقوله تعالى عز وجل :

١٬٥٨٠ / ٦٬٢٣٦