حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِیهَا مِن كُلࣲّ زَوۡجَیۡنِ ٱثۡنَیۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَیۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَاۤ ءَامَنَ مَعَهُۥۤ إِلَّا قَلِیلࣱ٤٠
الرسم الإملائيّ
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
الجزء ١٢الربع ٩٠ صفحة ٢٢٦
تفسيرها
﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا﴾ وهو بلوغ الكتاب أجله ، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ نبع الماء فيه ، وارتفع كالقدر يفور ، ﴿قُلْنَا: احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ﴾ نوع ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ في القصة أنه قال نوح: يا رب كيف أحمل من كل زوجين اثنين؟ فحشر إليه الحشرات ، فجعل يضرب بيديه في كل جنس ، فيقع الذكر في يده اليمنى ، والأنثى في اليسرى فيحملهما .﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ،وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٣
قوله : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ﴾ والتنور في تفسير الحسن : الباب الذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ ففار منه الماء ، والسفينة على الأرض . [ فكان ذلك علامة لإِهلاك القوم ] .
وقال بعضهم : التنور عين ماء كانت بالجزيرة يقال لها التنور .
وبعضهم يقول : كان التنور في أقصى داره . وقال بعضهم : كان التنور أعلى الأرض وأشرفها .
وقال مجاهد : ﴿ وَفَارَ التَّنُّورُ ﴾ حين ينبجس الماء منه . فأوحى الله إليه إذا فار التنور أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، وهو قوله :
﴿ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أي : من كل صنف اثنين . والزوج هو الواحد ، والزوجان اثنان . وقال مجاهد : ذكر وأنثى من كل صنف . فحمل فيها من جميع ما خلق الله من البهائم والهوام والسباع والدواب ، دوابّ البر والبحر والطير والشجر . وشكوا إلى نوح في السفينة الزبل ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى نوح أن يمسح بيده على ذنب الفيل ، ففعل؛ فخرج منه خنزيران كانا يأكلان الزبل . وشكوا إليه الفار ، فأوحى الله إلى الأسد ، أي ألقى في قلبه ، مثل قوله تعالى : ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾ [ النحل : 68 ] ، فعطس الأسد فخرج من منخريه سنّوْران فكانا يأكلان الفار . وشكوا إلى نوح عرامة الأسد ، فدعا عليه نوح فسلط الله عليه الحمى ، فقال له نوح : « إزناتاعت لسري » وهي بالسريانية . فقال له نوح : أيها الأسد : أتريد لحماً؟ فأومأ الأسد : لا .
قوله : ﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ﴾ أي : الغضب ، وهو ابنه الذي غرق ، وقال الحسن : ﴿ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ﴾ أي : كل من غرق يومئذٍ .
وقال الحسن : وأهلك إلا من سبق عليه القول : ﴿ وَمَنْ ءَامَنَ ﴾ يقول : احمل أهلك ومن آمن . وهم الذين كانوا في السفينة ، هم أهله ، وهم الذين آمنوا إلا من سبق عليه القول .
قال : ﴿ وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ . قال بعضهم : لم ينج في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنين له : سام وحام ويافث ونساؤهم ، فجميعهم ثمانية .
ذكروا عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « سام أبو العرب ، وحام أبو الروم ، ويافث أبو الحبش »
قال الحسن : وكان طول السفينة ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، مطبِّقَة تسير ما بين الماءين ، بين ماء السماء وماء الأرض .
وقال بعضهم : كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع ، وعرضها خمسين ذراعاً ، وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً ، وبابها في عرضها . وإنما استقلَّت بهم في عشر خلون من رجب ، وكانت بهم في الماء خمسين ومائة يوم ، واستقرّت بهم على الجودي شهراً ، وأهبطوا إلى الأرض في عشر خلون من المحرم .
قال : وذكر لنا أن نوحاً عليه السلام بعث الغراب لينظر إلى الماء ، فوجد جيفة ، فوقع عليها ، فبعث الحمامة فأتته بورقة زيتون ، فأعطيت الطوق الذي في عنقها ، وخضاب رجليها . وأن السفينة لما مرّت بالبيت طافت به أسبوعاً .
قال : وكان للسفينة ثلاثة أبواب ، باب للسباع والطير ، وباب للبهائم ، وباب للناس . وفصل بين الرجال والنساء بجسد آدم عليه السلام ، حمله معه نوح . وكان إبليس على الكوثل ، وهو ذنب السفينة . فعرض عليه نوح التوبة ، فقال إبليس : كيف أصنع؟ قال تسجد لجسد آدم ، أي : بالوحي قال : ما سجدت له حياً فكيف أسجد له ميتاً .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٣
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ﴾ غاية ليصنع وما بينهما مستأْنف معترض ، أَو حال من ضمير يصنع سواءٌ جعلنا حتى جاره لإِذا وهو مرجوح أَو ابتدائِية والابتدائِية لا تخلو من غاية كالجارة ، فإِن بين المرفع وعليه تناهيا برجوع المرفع إِلى المرفع عليه ، ما زال يصنع حتى حصل أَول أَمر الله أَو قرب جداً ، وهو نزول العذاب وهو واحد الأُمور ، وقولنا بركوب السفينة أَو بالفوران أَو بالإِرسال للسحاب أَو الملائِكة فيكون واحد الأَوامر ، وليس المراد حتى حصل وقت أَمرنا لأَن الوقت فى إذا والظرف لا يكون ظرفا للظرف اللهم إِلا باعتبار وسط الظرف فيعتبر بإِذا ظرف أَوسع لما بعد المجىءِ وقبله ، كالساعة من يوم الجمعة ، وفار التنور نبع بالماءِ كارتفاع الماءِ فى القدر بالغليان والتنور تنور الخبز من حجارة كان لمنوح من أُمنا حواءَ فاض الماءُ من حيث تكون النار خلافا للمعتاد ، وهو فى موضع الكوفة مسجد أَو على يمين داخل الكوفة مما يلى باب كندة ، أَو فى الهند أَو بعين وردة من أَرض الشام أَو فى أَرض جزيرة ابن عمر ، وتلك الأَقوال للجمهور ، وقيل المراد الجنس ، فالماءُ فاض من التنانير أَين هى لا من تنور واحد ، ولا ينافى فوران الماء من التنور قوله تعالى : وفجرنا الأَرض عيونا لأَن الحاصل أَنه خرج من الأَرض ومن التنور إِلا أَنه بالفوران ومن الأَرض بالتفجير ، أَو التنور وجه الأَرض أَو أَعلى موضع منها على خلاف المعتاد أَيضاً من نبع الماءِ من أَسفل لا من أَعلى ، وعن الإِمام على أَن المراد تنوير الصبح ويحسن أَن يكون فار التنور كناية عن اشتد الهول كقوله صلى الله عليه وسلم : « الآن حمى الوطيس » أَى اشتد الحرب ، ووجهه تفعول من النور أَصله تنوور قلبت الواو الأَولى همزة فقلبت أَلفاً وحذفت تخفيفاً وشدد النون تعويضاً عما حذف قال ثعلب . وفيه أَنه إِذا أُريد التخفيف ، فكان الحذف لأَجله فلم ثقل بالشد . وقال الفارسى فعُّول وليس فى كلام العرب نون قبل راءٍ ، وأَما نرجس فمعرب فتنور معرب ، وقيل اتفقت فيه لغة العرب والعجم كالصابون وكان فوران التنور علامة على دخول السفينة وركوبها ، وأَعلمته امرأَته به . وكان ذلك فى ثالث عشر من أَبيب فى شدة القيظ ، وإِسناد الفور إِلى التنور مجاز عقلى والفائِز الماءُ منه وفيه ﴿ قُلْنَا احْمِلْ فِهَا ﴾ فى السفينة ﴿ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ شيئَين متقارنين فذلك ذكر وأُنثى من كل نوع إِلا ما يتولد من التراب أَو العفونة أَو الماءِ ويقال حمل العقرب والحية على أَن لا تضرا إِذا خرجتما من يذكر نوحاً ، ويقال لم يدخل فيها ما لا يتوالد وما يضر ولم يدخل البغل والبغلة لأَنهم يتوالدان من الحمار والفرس ، وأَدخل الأَسد والنمر ، وعلى أَن الهر والخنزير والفأْر لم يكن قبل فالمراد من كل زوجين موجودين ﴿ اثْنَيْنِ ﴾ فردين ذكر وأُنثى مفعول به لا حمل ، فالزوجان الحقيقة والاثنان شخصان منها ، وقيل يشمل الزوجان ما كان من نبات كالعجوة واليمون والرمان الحلو والحامض ، وكل هنا للأَفراد النوعية ، قال : يا رب كيف أَحمل فيها ذلك فحشر إِليه الحيوانات فجعلت تلحس قدميه تطلب حملها ، فقال : أُمرت باثنين فقط من كل زوجين ، فيضرب يديه فتقع يمناه على الذكر ويسراه على الأُنثى ، وأَول ما حمل الدرة وآخر ما حمل الحمار ، قيل وتعاصت العنز فجذبها بذنبها فصارا أَبداً منفرجا عن مخرجيها وتساهلت النعجة فمسح على ذنبها فستر فرجها ، وتعاصى الحمار بتعلق إِبليس بذنبه ونوح يجبذه من أَذنه فقال : ادخل وإِن كان الشيطان معك .
فدخل إِبليس . وقيل قال للحمار : ادخل يا شيطان فدخل معه إِبليس فقال اخرج يا غدو الله ما أَدخلك فقال أَلم تقل ولو كان معك شيطان لا بد من أَن تحملنى ، وقيل طلب الدخول معتذراً بأَنه من المنظرين فأَدخله على عمد . ولا نعتقد أَن نوحاً قال للحمار يا شيطان ، وقيل كان على ظهر السفينة ، واعترض بأَنه نارى هوائِى لا يفر من الغرق ، ويجاب بأَن ما كان كذلك ليس يقبل طول المكث فى الماءِ وأَيضاً هذا ماءُ العذاب ليس كسائِرِ المياه وأَيضاً الماءُ ينافى النار فإِن كان الجن فى زمان الغرق كلهم مشركين غرقوا وإِلا نجا مؤْمنهم إِلى السفينة ولو لم يرهم نوح ، وعلى فرض كفرهم كلهم ففى فخذى إِبليس ذكر وفرج يتولد منهما ، وقيل لم يعم الطوفان الأَرض وإِنما حمل من كل زوجين اثنين لئَلا يحتاج الأَمر فى ذلك إِلى ما فى الأَرض البعيدة ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ بنيك المؤْمنين وأَزواجهم المؤْمنات وزوجتك المؤْمنة وغرقت الكافرة ﴿ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ﴾ منهم بالإِهلاك وهم زوجه واعلة أَو والعة بالعين المهملة فيهما وهى الكافرة وابنه منهما كنعان الكافر ، وحمل أَولاده ساما أَبا العرب وحاما أَبا السودان ويافثا أَبا الترك ، وأَزواجهم والاستثناءُ متصل إِن أُريد بالأَهل الأَهل إِيماناً ومنقطع إِن أُريد قرابة ﴿ وَمَنْ آمَنَ ﴾ عطف على أَهلك وهم سائِر من آمن ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ جملتهم تسعة وسبعون وتم بنوح ثمانون؛ أَربعون رجلا وأَربعون امرأَة ، وصحح هذا فنزلوا فى موضع بعد الخروج وبنوا فيه سفينة فسميت ثمانين وهى أَول مدينة بعد الطوفان ، وقيل جملتهم ستة رجال وست نسوة نساؤُهم فهو اثنا عشر والمشهور الأَول تسعة وسبعون زوجه المسلمة وبنوه الثلاثة ونساؤُهم واثنان وسبعون رجلا وامرأَة من غيرهم ، وقيل زوجه المسلمة وأَبناؤُه الثلاثة وكنائِنه الثلاث ، وقيل خمسة رجال وخمس نسوة ، وقيل عشرة رجال وعشر نسوة ، وقيل مثان وسبعون . . .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٣