سورة هود · الآية ٤٦ من ١٢٣

‹ السورة السابقة
قَالَ یَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَیۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَیۡرُ صَٰلِحࣲۖ فَلَا تَسۡءَلۡنِ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّیۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِینَ٤٦
الرسم الإملائيّ

قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ

الجزء ١٢الربع ٩١ صفحة ٢٢٧

تفسيرها

[سورة هود — آية 46]

﴿قَالَ : يَا نُوحُ ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ وفيه إيذان ، لأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب ، وأن نسيبك في دينك ، وإن كان حبشيا ، وكنت قرشيا ، ﴿وأن﴾ لصيقك ومن لم يكن على دينك ، وإن كان أمس أقاربك رحما ، فهو يعد بعيدا منك . قال أبو منصور:" كأن عند نوح عليه السلام أن ابنه كان على دينه ، لأنه كان ينافق ، وإلا لا يحتمل أن يقول : إن ابني من أهلي ويسأله نجاته ، وقد سبق منه النهي عن سؤال مثله ، بقوله : ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ ، فكان يسأل عن الظاهر الذي عنده ، كما كان أهل النفاق يظهرون الموافقة لرسولنا ، ويضمرون الخلاف له ، ولم يعلم بذلك حتى أطلعه الله عليه ، وقوله : ﴿ ليس من أهلك﴾ أي: من الذين وعدت النجاة لهم ، وهم المؤمنون حقيقة في السر والظاهر". ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٩

[سورة هود — آية 46]

قوله : ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ . قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ الذين وعدتك أن أنجيهم لك . وهو قوله : ﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ﴾ .

وكان ابنه منافقاً ، ونوح لا يعلم في تفسير الحسن . فناداه ، وكان عنده مؤمناً ، ولولا ذلك لما يناده ، وهو يعلم أن الله مغرق المشركين الكفار . وقد قضى أنه إذا نزل العذاب على قوم كذبوا رسلهم ثم آمنوا لم يقبل منهم .

قوله : ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ ذكروا عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف : ﴿ إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ ﴾ .

ذكرو عن ابن عباس أنه قال : هو ابنه ولكنه عمل غير صالح .

وكان الحسن يقرأها : ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ . وكان عنده ليس بابنه . وهي قراءة عروة بن الزبير . وبعضهم يقرأها على مقرأ الحسن وعروة ويقول : إن سؤالك إياي يا نوح ما ليس لك به علم عملٌ غير صالح .

وقال بعضهم : كان يقال : ما بغت امرأة نبيّ قط .

قوله : ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ . قال الحسن : إنك لم تكن تعلم ما كان يُسِرّ من النفاق . ﴿ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٩

[سورة هود — آية 46]

﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ ﴾ إِن ابنك ﴿ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ الناجين أَو من أَهلك الذين أَمرت بحملهم أَو من أَهل دينك أَو أَهلك المؤمنين وأَما الكفار فقد قطع الكفر بينه وبينهم ، وابنه ذلك ليس مؤمنا وذلك فضل عظيم حتى أَنه لا يتوارث أَهل ملتين ولو كافرتين ، قال أَبو فراس :

كانت مودة سلمان له نسبا … ولم يكن بين نوح وابنه رحم

أَى كأَنه لم يكن بينهما رحم ، وذلك كما قال ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ الهاء للعمل أَو يقدر مضاف أَى إِن عمله أَو جعله نفس العمل الفاسد لأَنه بالغ فى الفساد كما يقال زيد صوم إِذا بالغ فى الصوم وكما قالت الخنساءُ فى وصف ناقة تتردد فى ولد فقدته أَو ذبح أَو ند فإِنما هى إِقبال وإِدبار ، أَو يقدر أَنه ذو عمل غير صالح أَو عمل بمعنى عامل غير صالح ، وقيل : المراد أَن ترك ركوبه عمل غير صالح ، وقيل إِن نداءَك لتنجية ابنك عمل غير صالح ، ونسب هذا لابن عباس ولا يصح عنه لكن يناسبه ما فى مصحف ابن مسعود إِنه عمل غير صالح أَن تسأَلنى ﴿ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أَنه صواب أَو خطأُ ، فقف عن السؤَال فيه ونجاة ابنك من ذلك فقف فى شأْنها وسلم لإِهلاكه فإِنه أَهل للإِهلاك ، أَو لا تسأَلنى ما لم تعلم أَنه صواب أَو غير صواب ، وليس نداؤه استفساراً عن سبب عدم إِنجائِه مع تحقق سبب الإِنجاءِ فيما عنده ، كما قال به بعض على بناءِ أَنه كان بعد الغرق بل دعاء بإِنجائه حين حال الموج بينهما بتقريبه إِلى الفلك بالموج أَو بتقريب الفلك إِليه أَو بسبب آخر لكن ذكر الوعد فى الدعاءِ يتبادر يناسب النجاة فى الفلك ، وقيل النهى عن سؤَال ما لا حاجة إِليه لأَنه لايهم ، أَو لأَنه قامت القراِن على حاله من أَنه لا ينجو وأَنه مات كما هو المتبادر من إِحاطة الموج به ، وليس النهى عن السؤَال للاسترشاد وإِما أَن يقال سؤال نوح كان بعد علمه بموت ابنه عتابا لله سبحانه لا استرشاداً فمحرم إِجماعاً ، ومن قال به أَخطأَ أَو تأَول ﴿ إِنِّى أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ بسؤال ما لم تعلم ، وإِنما سمى الله قول نوح رب إِن ابنى من أَهلى إِلخ سؤَالا لتضمن ذكر الوعد بنجاة أَهله ، طلب الإِنجاز للوعد فى شأْن ابنه بالإِنجاءِ والسؤَال طلب الاستفهام أَو لتضمن ذكر الوعد السؤَال عن المنافع لإِنجاز الوعد لابنه ، فيكون السؤَال استفهاماً وإِنما سمى سؤَاله جهلا وزجره عنه بالوعظ لأَن قوله : إِلا من سبق عليه القول وعدم حضوره السفينة صريح فى هلاكه ، لكن حب الولد بالطبع ، ومع ظن الإِيمان بما ينافقه وحضور ما يسلم به من كفر جره إِلى ذلك ، وقد قيل إِنه ولد زنى من امرأَته الكافرة فى فراشه ، وهو فعل باطل .

قال ابن عباس ما بغت امرأَة نبى قط ، بل هو ابن امرأَته من رجل آخر تزوجته قبله فكان عنده يعلمه . والصحيح أَنه ابنه من صلبه لأَنه سماه ابنه وأَقره الله على تسميته وسماه الله ابنه وقال : ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ وحمل الكلام على حقيقته واجب الدلائِل . وأَما أَن يلد المؤمن ولو نبياً الكافر فواقع ، وبالعكس كقابيل من آدم وإِبراهيم من آزر ، يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٩