سورة هود · الآية ٥ من ١٢٣

‹ السورة السابقة
أَلَاۤ إِنَّهُمۡ یَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِیَسۡتَخۡفُوا۟ مِنۡهُۚ أَلَا حِینَ یَسۡتَغۡشُونَ ثِیَابَهُمۡ یَعۡلَمُ مَا یُسِرُّونَ وَمَا یُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِیمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٥
الرسم الإملائيّ

أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

الجزء ١١الربع ٨٨ صفحة ٢٢١

تفسيرها

[سورة هود — آية 5]

﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يزورون عن الحق ، ويحرفون عن الحق ، لأن من أقبل على شىء ، استقبله بصدره ، ومن ازور عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه .﴿ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ ليطلبوا الخفاء من الله ، فلا يطلع رسوله والمؤمنون على ازوارهم .﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ ألا حين يأوون إلى فراشهم يتغطون بها ، أي: يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم ، كراهة لاستماع كلام الله ، كقول نوح :﴿ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ، وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ﴾ . وكل هذا استعارة بمعنى الإعراض عن قبول الحق ، (لعله) لأنه كالساتر نفسه عن أن يرى الحق أو يراه .﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: لا تفاوت في علمه بين ذلك ، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء ، والله مطلع على ثنيهم صدورهم ، واستغشاء ثيابهم ونفاقهم ، فغير نافع لهم ، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما فيها.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٧٨

[سورة هود — آية 5]

قوله : ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ أي : ما هم عليه من الكفر . وقال مجاهد : ثنيُهم صدورَهم شكٌّ وامتراء .

قال : ﴿ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ﴾ أي : من الله إن استطاعوا ، ولن يستطيعوا . وقال الحسن : ليستخفوا منه بذلك ، يظنون أن الله لا يعلم الذي استخفوا منه .

قال : ﴿ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ أي : ما يظهرون من الكفر .

وقال بعضهم : هم المنافقون يثنون صدورهم بما هم عليه من الكفر ، وهو ما يسرّون ، أي : من ترك الوفاء بما أَقرُّوا به من الأعمال التي لم يُوَفّوا بها ، وما يعلنون أي : ما يظهرون من الإِيمان للنبي والمؤمنين .

قال : ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ أي : بما تخفي الصدور .

وقال بعضهم : ﴿ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ يقنعون رؤوسهم ، ويحنون صدوركم لكي لا يسمعوا كلام النبي عليه السلام؛ فكانوا يحنون صدورهم لكي لا يسمعوا كتاب الله ولا ذكره .

وقال بعضهم : ﴿ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ وذلك أخفى ما يكون فيه ابن آدم إذا حنى صدره واستغشى ثوبه ، وأهمّ همّا في نفسه ، فإن الله لا يخفى ذلك عليه .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٧٨

[سورة هود — آية 5]

﴿ إِلَى اللهِ ﴾ لا إِلى غيره وأَيضاً قدم لتربية المهابة ﴿ مَرْجِعُكُمْ ﴾ رجوعكم لا يفوته عقابكم الكبير الموعود به أَو بعد العذاب الكبير فى الدنيا عذاب يوم الرجوع إِلى الله عز وجل وكسر مرجع صحيح استعمالا شاذا قياسيا كما قال ابن مالك :

فى غير ذا عينه افتح مصدرا … أو سواه اكسر

﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فهو قادر على إِيتاءِ كل ذى فضل فضله وعلى العقاب الشديد بدليل ما مر ، وذكر بعض أَن قدير مبالغة فيكون العذاب شديدا لشدة قدرته كما قيل إِن أَفعال الله كلها قوية لقوته تعالى عن صفات الخلق ، وعلى كل حال فالجملة تأْكيد لكبر اليوم أَو العذاب وتنبيه على أَن الكبر وصف لما وقع فيه لكن وصف به للملابسة على المجاز العقلى وعلى أَن المراد يوم القيامة ومن جملة قدرته بعثكم وجزاؤكم وعلمه بما فى الصدور كما قال :

﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورهُم ﴾ يصرفونها عن الحق إِلى الباطل والكفر يشغلون فى الخلوة بذم النبى صلى الله عليه وسلم وفى قلوبهم ، فالذم ثنى للصدور وتكوينه فى القلب والخلوة استخافاءٌ كما قال ﴿ لِيًسْتَخْفُوا مِنْهُ ﴾ فالثنى كناية عن الإِعراض لأَنه من لوازمه وحقيقته إِمالة الجسم عن غير كإِمالة ثوب أَو جنب أَو استعارة تشبيها للمعقول بالمحسوس والأَصل يثنيون ، ثقلت الضمة على الياءِ ونقلت إِلى النون المكسورة قبلها بعد إِزالة كسرها بالإِسكان وحذفت للساكن بعدها ، والاستخفاءُ علة لقوله يثنون أَى يقتصرون على الذنب بقلوبهم وعلى الخلوة يستخفون فصح جعله علة للإِعراض المخصوص والخلوة لا كما قيل أَنه لا يصح وأَنه علة لمحذوف تقديره يريدون ليستخفوا لأَنه إِن أُريد يستخفوا مفعول ليريد فاللام زائِدة لا تعليل وإِن أُريد أَن المعنى يريدون الثنى ليستخفوا فذلك رجوع إِلى جعله علة ليثنوا ، فإِن معنى أَراد إِكرامك لتكافئِه ، وأَكرمك لتكافئه واحد من جهة التعليل ، ويجوز أَن يكون معنى يثنون صدورهم يحنونها على الكفر وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن انحنى على شىءٍ محافظة عليه لا يظهرون ذلك ليخفى عن الله ، وهذا شأْن طائِفة من المشركين ويبعد أَن يكون ذلك فى المنافقين ، لأَن السورة مكية ولا مانع من النفاق فى مكة ، قبل كان فيها الأَخنس بن شريق حلو اللسان والنظر ، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب ، وينطوى بما يكره ، ولا مانع من كون الآية مدنية جعلت فى سورة مكية إِلا أَنه خلاف الأَصل لا يخرج عليه إِلا بحجة ، وقد قال عبدالله بن شداد نزلت فى بعض المنافقين إِذ مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنا صدره وطأْطأَ رأْسه وغطى وجهه لئَلا يراه صلى الله عليه وسلم ، فيدعوه إِلى الإِيمان ، أَو فى المشركين مطلقاً بأَن لهم أَحوالا فى مكة ، ففى بعض الأَحيان يخفون العداوة أَو المعنى يولون ظهورهم إِعراضاً عن الحق فإِن من ولى أَحد ظهره ثنى عنه صدره ، يرون النبى صلى الله عليه وسلم فيولونه ظهورهم فثنى الصدر مجاز عن تولية الظهر أَولا ثم إِنه مجاز أَو كناية عن الإِعراض ثانيا .

﴿ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ ليدخلوا رءُوسهم فيها للنوم مثلا ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ألا تأْكيد وتنبيه ، وحين متعلق بيعلم قدم على طريق الاهتمام لا الحصر ، فإِنه إِذا علم السر الذى فى وقت التغشية والتكييف فى القلب فأَولى أَن يعلم غير ذلك من وجوه السر ، وهذا البادى الرائِى ، وإِلا فاته استوى عنده كل سر وكل جهر ، وأَيضاً لا يلزم من كونه يعلم كذا وقت كذا أَن لا يعلمه فى غيره وأَيضاً ورد ذلك على قوله إِنا إِذا أَخفينا شيئاً لم يعلمه الله فلا يخبر به محمدا أَو من معه فلا حاجة إِلى تعليقه بمحذوف فراراً من توهم أَنه لا يعلم فى غير ذلك وأَن التقدير أَلا يستخفون منه ، أَو أَلا يردون الاستخفاءَ وأَيضاً هذا التقدير لا يناسبه التأْكيد والتنبيه وما موصول حرفى أَو اسمى أَى إِسرارهم وإِعلانهم أَو ما يسرونه وما يعلنونه ، ويقال نزلت فى طائِفة من المشركين يقولون إِاذا أَرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد فكيف يعلم ، فكان الرجل يدخل بيته ويرخى ستره ويحنى صدره ويتغشى بثوبه ويقول هل يعلم الله ما فى قلبى ، ويقال : يحنون صدورهم لئلا يسمعوا كتاب الله ولا ذكره ، ولا يصح ما قيل عن ابن عباس رضى الله عنهما إِنِ الآية نزلت فى أُناس يستحيون أَن يقضوا حاجة الإِنسان أَو يجامعوا فى غير ستر عن السماءِ لأَن اجتناب ذلك مأْمور به شرعاً فكيف تفسر الآية بنفيه ، وكذا ما قيل أَنها نزلت فى أُناس يتعبدون بستر ما يستحى من كشفه من أَبدانهم إِلى السماءِ ولو غير عورة وقدم الستر معاجلة عليهم بإِظهار ما أَضمروا واجتهدوا فيه وكأَنه يعلم سرهم أَكثر مما يعلم جهرهم ، وليس كذلك بل هو سواءٌ ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ بالاعتقادة ذات الصدور ، أَو الخطرة ذات الصدور أَو الأَحوال ذات الصدور ، والصدور والقلوب مجازا أَو هو على حقيقته فيكون ذات الصدور القلوب التى فيها أَو ما مر والعلم بالقلوب علم بأَحوالها فكيف يخفى منه شىءٌ ، وقد علم ما فى الصدور فإِنه لا أَخفى منه إِلا ما سيقع وهو عالم به أَيضاً لأَن علمه ذاتى لا يشذ عنه شىءٌ ، وفى الآية رد على من زعم من المعتزلة أَن الله لا يعلم الشىءَ حتى يقع ، وهذا فى معنى الإِشراك تعالى الله وهم طائِفة منهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٧٨