سورة إبراهيم · الآية ٤٦ من ٥٢

‹ السورة السابقة
وَقَدۡ مَكَرُوا۟ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ٤٦
الرسم الإملائيّ

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ

الجزء ١٣الربع ١٠٤ صفحة ٢٦١

تفسيرها

[سورة إبراهيم — آية 46]

﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ، وفنوا عليه أعمارهم ، وأشغلوا به دهرهم ، وهو ما تهواه نفوسهم من تأييد الكفر وبطلان الإسلام ، ﴿وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ﴾ ، أي:جزاء مكرهم ، أو وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به ، وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون ، ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ وهو معنى قوله: ﴿ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ، أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ لتحطم الماكر أن لو يأذن الله لها ، وقيل: إن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه ، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا ، وقيل: التقدير وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فعبر (لعله) عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجبال لعظم شأنه ، ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ ، معنى قوله : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ ، ﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ﴾ غالب لا يماكر ، ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ لأوليائه من أعدائه.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٩٦

[سورة إبراهيم — آية 46]

قال : ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ﴾ أي : محفوظ لهم حتى يجازيهم به . ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ ﴾ .

قال الكلبي : إن نمروذ الذي بنى الصرح ببابل أراد أن يعلم علم السماء ، فعمد إلى تابوت فجعل فيه غلاماً . ثم عمد إلى نسور أربعة فأجاعهن ، ثم ربط كل نسر بقائمة من قوائم التابوت ، ثم رفع لهم لحماً في أعلى التابوت ، فجعل الغلام يفتح الباب الأعلى فينظر إلى السماء فيراها كهيئتها . ثم يفتح الباب الأسفل فينظر إلى الأرض فيراها مثل اللجة .

فلم يزل كذلك حتى جعل ينظر فلا يرى الأرض ، وإنما هو الهواء ، وينظر فوق فيرى السماء كهيئتها . فلما رأى ذلك صوّب اللحم ، فتصوّبت النسور . فيقال ، والله أعلم ، إنه مرّ بجبل فخاف الجبل أن يكون أمر من الله ، فكاد الجبل أن يزول من مكانه . فذلك قوله : ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ ﴾ .

وذكر بعضهم أن نمروذ كان في التابوت ومعه صاحبه . فهو الذي جعل بأمره أن ينظر . فلما هاله ذلك أمره ، فنكس اللحم ، فانحدرت النسور . فبعث الله عليه أضعف خلقه : بعوضة ، فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه فمات .

وقال بعضهم : في قراءة عبدالله بن مسعود : ﴿ وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ ﴾ . وذلك تفسيرها عندهم .

قال بعضهم : ذلك المكر ما عمل بالنسور ، فلا أعلمه إلا قوله : ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَد جِئْتُمْ شَيْئاً إِداً ﴾ أي : عظيماً ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ أي : يتشقّقنَ منه ﴿ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا ﴾ أي : بأن دعوا ﴿ لِلرَّحْمَنِ وَلَداً ﴾ [ سورة مريم : 88-91 ] .

وتفسير الحسن في هذا الحرف . ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ ﴾ يقول : ما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي : هم أهون على الله من ذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٩٦

[سورة إبراهيم — آية 46]

﴿ وقَدْ مَكَرُوا مَكْرهُمْ ﴾ استخرجوا مكرهم من أنفسهم ، ولم يبقوا منه شيئاً فى مضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل أو التقييد أو الإخراج ﴿ وإذا يمكر بك الذين كفروا ﴾ لإبطال الحق وإظهار الباطل ، ودل على استفراع مكرهم التأْكيد بالمصدر المضاف إليهم إضافة استغراق ﴿ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ﴾ بالنبى والدين معلوم ، أى عند الله جزاءُ مكرهم ، أَو مكرهم عنده ، ومكتوب فيجازيهم عليه فإضافة مكر للهاء إضافة للفاعل كالسابق واللاحق ، أو عند الله جزاءٌ يمكره لهم فالإضافة للمفعول ، أو يمكر بهم بإبطال مكرهم ، والمكر فى هذا متعد لتضمنه معنى الضر ، أو الجزاءِ ، أَو تقدر الباءُ أى مكر بهم ، وتسمية الجزاءِ مكرا استعارة ومشاكلة ، وقيل : المكر فى ذلك كله بمعنى الكفر ، كقوله عز وجل : تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا ، إلخ ، ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ ﴾ أن مخففة واللام للتعليل فى قوله : ﴿ لِتزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ لعظمه وشدته ، ولكن لمن تزل أى معد لإزالة الجبال المستعار لفظها للمعجزات والآيات لجامع الثبات أى أعدوا مكراً عظيماً لدفع الحق الذى هو كالجبال ، ويجوز أن يكون شرطاً وصليا أغنى عن جوابه قوله : وعند الله مكرهم أى عند الله مكرهم يجازيهم ، ولو كان مكرهم عظيماً معداً لإِزالة ما هو عظيم ، واللام للتعليل ، أو المراد المقاربة لزوال الجبال الحقية مبالغة بالتشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه فيكون كقوله ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ﴾ وقيل نافية واللام لام الجحود أى وما مكرهم تزول منه الجبال بل هو هين كقوله تعالى : وما كان الله ليعذبهم ، والجبال فى هذا على حقيقتها ، أو مراد بها الحق العظيم وهو المعجزات والآيات .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٩٦