سورة الحجر · الآية ٨٨ من ٩٩

‹ السورة السابقة
لَا تَمُدَّنَّ عَیۡنَیۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦۤ أَزۡوَٰجࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَیۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِینَ٨٨
الرسم الإملائيّ

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ

الجزء ١٤الربع ١٠٦ صفحة ٢٦٦

تفسيرها

[سورة الحجر — آية 88]

﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ، أي: لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه ، ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ أصنافا من العصاة ، يعني: قد اوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة – وإن عظمت – فهي إليها حقيرة ، وهي: القرآن العظيم ، فعليك أن تستغني به ولا تمد عينيك إلى متاع الدنيا . ومنه الحديث:" ليس منا من لم يتغن بالقرآن " ، وحديث أبي بكر :" من أوتي القرآن ، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا " ، ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ، أي: لا تحزن على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا ، أو لا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام والمسلمون. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وتواضع لمن معك من المؤمنين ، أي: لين جنابك ، والجناحان من ابن آدم: جانباه.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٩٠

[سورة الحجر — آية 88]

قوله : ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ [ أي : أصنافاً منهم ] قال مجاهد : يعني الأغنياء .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « خصلتان من كانتا فيه كتبة الله شاكراً صابراً ، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً : من نظر إلى من فوقه في الدين ومن دونه في الدنيا فاقتدى بهما كتبه الله شاكراً وصابراً »

قوله : ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ أي : على المشركين إن لم يؤمنوا . ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي : [ ألنه لمن آمن بك ] أي : أرأف بهم . وهو مثل قوله : ﴿ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ التوبة : 128 ] . ومثل قوله : ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظَّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوَا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [ آل عمران : 159 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٩٠

[سورة الحجر — آية 88]

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِى وَالْقُرآنَ الْعَظِيمَ ﴾ سبعا من الأشياءِ التى هى موضع ثنى وهو التكرير ، أَو موضع ثناءَ أَو الأَشياء المثنية ، فقال الجمهور : ذلك فاتحة الكتاب كما قرأها صلى الله عليه وسلم وقال : « هى السبع المثانى » ، وروى ذلك أُبى وأَبو هريرة ، وذلك أنها سبع آيات تثنى فى كل صلاى أى تكرر أَو أَنها تثنى فى الصلاة بالسورة بعدها ، أَو أَنها نصفان نصف ثناءٌ ونصف داعاءٌ كما فى حديث الربيع وغيره عن الله : قسمت الصلاة؛ أى سورة الصلاة وهى الفاتحة ، أَو سماها صلاة لأَنها معظمها ولا تصح بدونها من السور- بينى وبين عبدى نصفين ، أَو أَنها مكررة ، الرحمن الرحيم ، وإِياك وإياك ، والصراط وصراط ، وغير وغير ، وعليهم وعليهم ، وكان عمر رضى الله عنه يقرأُ : وغير الضالين ، أَو أَنها نزلت بمكة ونزلت بالمدينة ، وقال الزجاج : سميت مثانى لأَنها كما قيل فى الأَنعام ، ولإِفرادها بالذكر عن القرآن ، ولأَنه لا صلاة إلا بها كما قال فى الحديث ، أَو السبع الطوال والأَنفال والتوبة كواحدة أو هما واحدة كما لا بسملة بينهما ، وورد فى هذا حديث ، وجاءَ عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم وجماعة من التابعين ، لأَنه يثنى فيهن حدود القرآن وفرائضه وأمثاله وعبر وعامة أحكامه ، وفيهن عامة الأحكام ، واعترض بأن السورة مكية أو هذه الاية وأكثر السبع مدنية ، ويجاب بأن إنزالهن إلى السماءِ مرة مع باقى القرآن إبتاء ، وأَنه قضى أن ينزلن عليه ، أو سورة التوبة لأنه يثنى فيها إلخ ، وكذا فيما بعد من الأقوال ، أو يونس أو الحواميم ، أو سبع صحائف ، وهى الأسباع والقرآن سبعة أجزاء كل سبع صحيفة وكتاب ومثناة ومثنية ، فالسبع هو القرآن كله قسم سبعة أَجزاء ، أَو سمى سبعا لأَنه تضمن معنى صحف سبع نزلت على من قبله وزاد عليها ، ويناسبه قوله تعالى : ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى ﴾ أو المثانى كتب الله كلها ، فمن للتبعيض ، وحذفت تاء سبع لتأَنيث المعدود وهو آيات أَو سور ومن المثانى نعت سبعاً ، ومن للبيان ، وإذ أُريد بالمثانى أكثر من السبع فمن للتبعيض ، والمفرد مثنى بالإسكان من التثنية وهو التكرير أو الثناء ، وفى ذلك كله تقرير القراءَة والأَلفاظ والقصص والمواعظ والأَحكام ، ويثنى عليه بالبلاغة والإعجاز ، وثناء على الله بما هو أَهله ، وعطف القرآن عليه عطف عام على خاص إن أُريد بالبيع بعضه ، وإن أريد به القرآن أو الأسباع فعطف شىءٍ على نفسه باعتبار تعدد صفته بمعنى سبعاً توصف بأَنها من الثانى أو نفس الثانى وبأنها قرآن عظيم كقوله :

أنا المالك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة فى المزدحم

وقولك جاءَ زيد العاقل والشجاع والعالم ، أى الجامع بين عظم الملك والبنوة للهمام والشجاعة وزيد الجامع بين العقل والشجاعة والعلم ، روى أنه صلى الله عليه وسلم وافى بأَذرعات سبع قوافل لقريظة والنضير فيها أَنواع البر والطيب والجواهر وسائر الأَمتعة ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأَنفقناها فى سبيل الله فقال لهم : « لقد أُوتيتم سبع آيات هى خبر من هذه القوافل السبع » ولعله وافاها فى بعض أسفاره ، وفى نسخة وافت من بصرى وأُذرعات سبع قوافل ، ولا يكون هذا سبباً لنزول قوله تعالى :

﴿ لاَ تمُدَّنَّ عَينَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ﴾ لأن هذه السورة مكية ، ومصادفة القوافل بعد الهجرة فى آخر عمره فى ذهابه إلى الشام للقتال ، ومنه تبوك ، ولعل المسلمين طمعوا فى القوافل لأنها أموال المحاربين كذا قيل ، وفيه أنه لا قوة للنضير وقريظة فى آخر عمره صلى الله عليه وسلم ، قيل يحتمل أن تكون هذه الموقعة قبل نزول الآية فنزلت فيها ، أو الآية مدنية جعلت فى سورة مكية ، وهذا الحديث نص فى تفسير السبع بسبع آيات ، وعن أبى بكر رضى الله عنه : « من أُوتى القرآن فرأَى أَن أَحدا أُوتى من الدنيا أَفضل مما أُوتى فقد صغر عظيماً وعظم حقيرا » ولم أَقف له عل سند ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » أَى من لم يعده غنى أو كشفاً للهموم بقراءَته ، أَو لم يفصح به ويجهر به أًو يقرأَه على خشية أو يزين به صوته ، وقد جاءَ « زينوا القرآن بأصواتكم » قيل لراوى الحديث فإِن لم يكن حسن الصوت قال يحسنه ما استطاع وأزواجاً أصنافاً قال صلى الله عليه وسلم : « لا تغبطن فاجراً بنعمة فإنك لا تدرى ما لاقى بعد موته ، إن له عند الله قاتلا لا يموت » يعنى النار ، ومد العين طموحها رغبة فيما متع به الكفار فهو صلى الله عليه وسلم بعد لا ينظر إلى ذلك بعينه ولا بقلبه ﴿ ولاَ تَحْزَنْ علَيْهِمْ ﴾ بعد إيمانهم شفقة عليهم فإنهم أشقياء خلقوا لعذاب الله عز وجل ، والضمير للكفار عموما ، وقيل للممتعين ، وفيه أن الحزن على ممتع الكفار بالدنيا المبغوضة عنده تعالى لا يليق بالأبرار فضلا عن سيد الأخيار ، والأَولى أَن المعنى لا تحزن على تكذيبهم وإعراضهم ﴿ وَاخْفِضْ جناحَكِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ألن لهم وارفق وتواضع ، وأصل جناح الإنسان يده ﴿ واضمم إليك جناحك ﴾ أى يدك ، أو جناح الطائر كنى به عن حسن التدبير والشفقة كما يرخى الطائر جناحه لفروخه كما يخفضه إذا أراد الانحطاط ، فذلك استعارة تمثيلية أولى من أن يكون استعارة عن التواضع .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٩٠