ٱلَّذِینَ جَعَلُوا۟ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِینَ٩١
الرسم الإملائيّ
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
الجزء ١٤الربع ١٠٦ صفحة ٢٦٧
تفسيرها
﴿وَقُلْ: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بمن عصى ، ﴿كَمَا أَنزَلْنَا﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا ، ﴿ عَلَى المُقْتَسِمِينَ﴾ وهم أهل الكتاب ، ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جزؤوه ، جعلوه أعضاء ، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٩٣
قوله : ﴿ كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْءَانَ عِضِينَ ﴾ .
تفسير الحسن : يقول [ الله ] : إنا أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين . والمقتسمون أهل الكتابين الذين اقتسموه فجعلوه كتباً بعد إذ كان كتاباً واحداً ، فجعلوه كالأعضاء ، وحرّفوه عن مواضعه ، ثم قالوا : هذا من عند الله . وكتب الله كلها قرآن . وقال في آية أخرى : ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [ المؤمنون : 53 ] . وهي تقرأ على وجهين : زُبَراً و زُبُراً؛ فمن قرأها زُبَراً فهو يقول : قِطَعاً ، ومن قرأها زبُراً فهو يقول : كتباً .
ذكروا عن ابن عباس قال : هم اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض .
وذكر بعضهم قال : هم رهط خمسة من قريش عضهوا كتاب الله ، فزعم بعضهم أنه سحر ، وزعم بعضهم أنه شعر ، وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين ، وزعم بعضهم أن محمداً مجنون ، وزعم بعضهم أنه كاذب .
قال : أما أحدهم فالأسود بن عبد يغوث ، أتى على نبي الله وهو عند البيت ، فقال له المَلَك : كيف تجد هذا؟ فقال : بئس عبد الله . قال : قد كفيتكه . ثم أتى عليه الوليد بن المغيرة ، فقال له : كيف تجد هذا؟ فقال : بئس عبدالله . قال : كفيتكه ، ثم أتى عليه الأسود بن المطلب ، فقال المَلَك : كيف تجد هذا؟ قال : بئس عبد الله . قال : كفيتكه . ثم أتى عليه العاص بن وائل ، فقال له الملَك : كيف تجد هذا؟ قال : بئس عبد الله . قال : كفيتكه .
فأما الأسود فأتى بغصن من شوك فضرب به على رأسه ووجهه حتى سالت حدقتاه ، فكان يقول بعد ذلك : دعا عليّ محمد بدعوة ، ودعوت عليه بأخرى ، فاستجاب الله له فيّ ، واستجاب لي فيه : دعا علي أن أُثكَل وأن أَعمى فكان كذلك . ودعوت عليه أن يصير طريداً شريداً وحيداً مع يهود يثرب وسراق الحج ، فكان كذلك . وأما الوليد بن المغيرة فذهب يرتدي فتعلق بردائه سهم لا يدري راميه فأصاب أكحله فمات . وأما العاص بن وائل فوطئ على شوكة فأوتى في ذلك حتى تساقط لحمه عضواً عضواً فمات وهو كذلك . وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فلا أدري ما أصابها ، وهم المستهزؤون ، استهزأوا بكتاب الله وبنبيه .
وقال بعضهم : هم خمسة نفر من قريش اقتسموا القرآن خمسة أجزاء ، كل رجل منهم جزءاً نقضاً على محمد ورداً عليه .
وفي تفسير الكلبي : إنهم سبعة عشر رجلاً قسموا على عِقَاب مكة لمن قدم مكة من الناس ، يسألونهم عن محمد؛ فقالت طائفة : هو كاهن ، إنما قوله كهانة ، وقالت طائفة : إنما هو شاعر ، وقالت طائفة : إنما هو مجنون يهذي من أم رأسه ، وقالت طائفة منهم : إنما هو ساحر فعضهوا القرآن .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٩٣
﴿ وَقُلْ إِنِّى أَنَا النَّذِيرُ ﴾ بعذاب الله تثبيتاً للمؤمنين وزجراً للكفرة بأَنه ينزل إِن لم يؤمنوا وفى المؤْمنين أَيضاً ما ينذر عنه ﴿ الْمُبِينُ ﴾ الظاهر الإنذار ، أو مبين لطرق النجاة وطريق الهلاك ، وفى ضمن ذلك تبشير بالجنة للمؤمنين ووصفه بالمبين لأَن إنذاره أبين من إنذار غيره من الأنبياء لأَنه بلسان القال ولسان الحال لأَنه من أشراط الساعة ، ولعله لهذا أنزلنا العذاب على المقتسمين ، ويكفى هذا ، وأوضح منه أن يقدر أنا النذير المبين بإنزال العذاب كما أنزلناه على المقتسمين اليهود والنصارى المقتسمين للكتب إذا آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، وأنزلنا بمعنى ننزل لأَن عذاب النضير وقريظة إِنما وقع بعد الهجرة باخراجهم ، السورة مكية فالمعنى لتحققق الوقوع بعد ، وكذا إن فسرنا المقتسمين بقريش الذين قسموا طرق مكة باثنتيى عشر رجلا أو ستة عشر أَو أَربعين فى مواسم الحج والأَسواق ، وجعلوا فى كل طريق من يصد الناس عنه صلى الله عليه وسلم بكلام يقوله كساحر ومجنون وكاهن وشاعر وأساطير الأولين وتعليم بشر ونحو ذلك إنما هو بعد الهجرة ، وقتلوا يوم بدر ، وقيل : ماتوا بالحرب ، قيل : ومنهم الوليد بن المغيرة ، والمشهور أنه مات بخدشة السهم المسموم ، فالإنذار بعذاب يشبه عذاباً سيقع ، او الاقتسام افتعال من القسم وهو الحلف ، فهم الرهط التسعة الذين تقاسموا أن يقتلوا صالحاً ليلا فرجموا بالحجارة ، وهذا لا يناسبه قوله تعالى :
﴿ الَّذِين جَعلُوا الْقُرآنَ عِضِينَ ﴾ إلا إن جعلنا القرآن ما على عهد صالح من كتب الله ، أَو قلنا لما خالفوا ما فيه صاروا كأَنهم جعلوه عضين ولو كان يجىء بعدهم ، أَو تجعل الذين مبتدأٌ خبره : فوربك إلخ ، ويجوز أن يعود التشبيه إلى آتيناك سبعاً لأَن الإِيتاءَإنزال كأَنه قيل : ولقد أنزلنا إليك سبعاً من المثانى كما أنزلنا على المقتسمين إلخ ، إلا إنه لا يتبادر تشبيه إنزال الآيات أو السور مثلا بإنزال العذاب إلا على التهكم بهم ، أَو على الامتنان عليه صلى الله عليه وسلم بأَنا عوضنا أعداءَك العذاب فى مقابلة إنزال السبع عليك ، وعضين جمع عضو أى أجزاء حذفت لامه فجمع جمع المذكر السالم ، ولو كان غير عاقل ، إلا أنه لم يعوض التاءَ ، ثم اطلعت أَنه ورد فى كلام عضة بمعنى عضه فيكون قج عوض كسنة ، وذلك أَن أَهل مكة جعلوا القرآن أَجزاء ، بعض يقول سحر وبعض يقول كهانة وبعض يقول شعر ، وهكذا ، أَو أَهل الكتاب جعلوه قسمين؛ بعضه حق موافق للتوراة والإنحسل ، وبعضه باطل مخالف لهما ، أَو قال بعض منهم استهزاء ، سورة كذا من كتاب محمد لى ، وقال آخر سورة كذا لى ، وهكذا ، أو قالوا هذه لك وهذه لى ، أَو كفر أهل الكتاب ببعض كتبهم وآمن ببعض ، أَو قول النصارى فى التوراة واليهود فى الإنجيل ، وقد أمر النصارى بالإيمان بالتوراة واليهود بالإيمان بالإنجيل ، وعلى هذا فالقرآن التوراة والإنجيل فيكون تسلية له صلى الله عليه وسلم بأنهم كفروا بكتبهم كما كفر قومك بكتابهم ، وهذا إذا فسرنا الاقتسام إلى إقرار ما وافق هواهم وتبديل ما لم يوافقه أو إخفائه كما قال الله جل وعلا : تجعلونه قراطيس إلخ ، أَو المفرد عضه بالهاء حذفت وعوضت التاء فجمع بمعنى أسحار أو كذب أَو بهتان .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٩٣