سورة النحل · الآية ١٤ من ١٢٨

‹ السورة السابقة
وَهُوَ ٱلَّذِی سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُوا۟ مِنۡهُ لَحۡمࣰا طَرِیࣰّا وَتَسۡتَخۡرِجُوا۟ مِنۡهُ حِلۡیَةࣰ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِیهِ وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ١٤
الرسم الإملائيّ

وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

الجزء ١٤الربع ١٠٧ صفحة ٢٦٨

تفسيرها

[سورة النحل — آية 14]

﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ لأنه أرطب اللحوم ، ولأن الفساد يسرع إليه ، فيؤكل سريعا طريا خيفة الفساد ، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق ، ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً﴾ هي اللؤلؤ والمرجان ، وهو مما تتحلى به النساء ، ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ المراد يلبسهم : لبس نسائهم ، ولكنهن إنما يتزين بها من أجلهم ، فكأنها زينتهم ولباسهم ، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ﴾ قيل: المخر :شق الماء ﴿فِيهِ﴾ في البحر ، ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ ، فضله يعم إرادة الدارين﴿كذا﴾ ، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على ما أنعم به عليكم.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩١٥

[سورة النحل — آية 14]

قوله : ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّر البَحْرَ ﴾ أي : خلق البحر ﴿ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ أي : الحيتان ﴿ وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ أي : اللؤلؤ . ﴿ وَتَرَى الفُلْكَ ﴾ أي : السفن ﴿ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ يعني شقها الماء في وقت جريها .

وقال بعضهم : ﴿ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ أي : سفن البحر مقبلة مدبرة تجري فيه بريح واحدة . وقال مجاهد : ولا تُجري الريح من السفن إلا العظام ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني طلب التجارة في البحر . ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي : لكي تشكروا . وهو مثل قوله : ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [ النحل : 81 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩١٥

[سورة النحل — آية 14]

﴿ وَهُو الَّذِى سَخَّر الْبَحْرَ ﴾ المالح وإنما يفسر به لعظمه وتبادره باسم البحر دون هؤلاءِ البحور الجارية ، ولو كانت تسمى بحرا كبحر النيل ، وأيضا البحر المالح هو المعروف باستخراج اللؤلؤ والمرجان منه والياقوت والحوت بخلاف البحر الحلو كالنيل فإنه لا يكون فيه ذلك الحليى ، وقل فيه السمك ، وهو دون سمك البحر المالح ، والمراد بالبحر الجنس الشامل ، ولا يدخل المحيط لأَنه لا يطاق على الغوص إلى أرضه ، والمراد سخره للركوب إلى حيث شئْتم من البحر أَو البر ، والغوص فيه للسمك ونحو اللؤلؤ كما قال : ﴿ لِتأْكُلوا مِنْهُ ﴾ أى من سمكة فحذف المضاف ، أَو المعنى لتأَخذوا منه ﴿ لَحْما طَرِيّاً وتَسْتخْرِجُوا مِنهُ حِلْيةً ﴾ ما يتزين به من لؤلؤ ومرجان لؤلؤة أَو مرجانة ، وكما يركب التاج بهما ، ومن حلف على حلى حنث بأَحدهما عند أَبى يوسف للآية لا عند أبى حنيفة لعدم العرف بذلك ، والأَكثر فى لباسهما النساء ، ولذلك يجوز أَن يقدر تلبسها نساؤكم أَو أُسند اللباس إٍليهم حكما على المجموع لأَن النساءَ والرجال جنس البشر ، ولأَنهن يلبسن ذلك لأَجلهم ، كما قيل المراد بالبحر ما يشمل العذب فيكون نسبة استخراج الحلية بالنسبة إلى العذب حكما على المجموع كما فى قوله تعالى ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ ﴿ ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ﴾ إلخ للاستلذاذ بجامع التمتع ، أَو ذلك مجاز مرسل لأَن التمتع لازم للباس ، ووصف السمك بالطراوية لأَنه أَرطب اللحوم ، وهو أسرع فسادا من سائر اللحوم إن لم يشرح ويملح ، وكذلك يسرع إلى أكله لئلا يسد ، وسماه لحما مع أَنه ليس حيواناً لذلك ، ولكونه يصلح للأَكل فقط لا كالأَنعام ، ولدقة عظامه كأَنها لم تكن فيه دلالة عظيمة على قدرته أنه خلق لحما طريا شهيا للأَكل فى ماءٍ مالح تتصلب أَشياؤه ، ومن حلف لا يأْكل لحما حنث بالسمك لأَن الله عز وجل سماه لحما ، والصحيح عنجى القول بأَن اليمين على العرف فلا يحنث فى عرف من لا يذكره باسم اللحم ، ولو كان لحما فى اللغة والقرآن لأَن العمل بالنية ، سمع سفيان الثورى عن أبى حنيفة أنه لا يحنث به من حلف على اللحم فأَنكر عليه لهذه الآية ، فأَرسل إليه أبو حنيفة من سأله عن حالف لا يصلى على البساط إن صلى على الأَرض فقال : لا يحنث ، فقال السائل : قد سماها الله بساطا ، فعلم أن ذلك السؤال من أبى حنيفة فرجع ‘لى قول أبى حنيفة ، فلا يحنث حالف على ركوب دابة بركوبه إنسانا مع أنه دابة لأنها فى العرف الحمار أو ذات الأربع ، والمرجان شجر أحمر ينبت فى البحر المالح على صورة شجرة التين مثلا ، قال أبو بكر الطرطوشى : إنه عروق حمر تطلع من من البحر كأصابع الكف ، لا صغار اللؤلؤ كما قيل وإنما يزداد حمرة بالعمل ، والحوت كله حلال ولو على صورة إنسان أَو خنزير أو كلب أو طفا على الماء ميتا أَو ذهب عنه الماءُ أَو مات بضرب أو بأَكل شىءٍ أو غير ذلك ، أو وجد فى بطن حيوان آخر أَو بحر أَو برد أَو ضيق أَو مات فى جب ماء أَو قتله طائر أَو غيره أَو طال موته وأَنتن ، وما قطع منه وما بقى ، إلا أَن أَكله بعد ذهاب طراوته أَضر شىءٍ قال صلى الله عليه وسلم :

« كل ما فى البحر فهو ذكى » وقال : « هو الطهور ملؤه والحل ميتته » أَى ميتته حيوانه ولو مات فى غيره ، ولا أَستثنى شيئاً منه ، ولهذا الحديث ونحوه علمنا أَن حديث : ما أَبين من حى فهو ميتة إِنما هو فى حيوان البر ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « ما نضب عنه الماء فكلوا وما لفظه الماء كلوا وما طفا فلا تأكلوا » روى عن جابر بن عبد الله فإن صح فالنهى عن طافٍ كراهة لا تحريم ﴿ وتَرَى الْفُلْك موَاخِرَ فِيهِ ﴾ جمع ماخر ، والميم أَصل ، تمخر أى تشقه ذاهبة وراجعة بريح ، وربما اتحدت الريح ذهابا وروجوعا أَو تصوت مع الماءِ للجرى فيه أَو تجرى ﴿ وَلِتَبْتغُوا ﴾ عطف على تأكلوا أى ولتطلبوا ، قيل : أو الواو زائدة لسقوطهاغ فى قوله تعالى : ﴿ فيه مواخر لتبتغوا ﴾ أَو عطفت على محذوف أَى لتعتبروا ولتبتغوا ، أَو لتنتفعوا ولتبتغوا ، قيل : وفعل ذلك لتبتغوا ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ من سعة رحمته بركوبها للتجر ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ الله على ذلك وسائر نعمه ، وذكر اشكر هنا لأَنه جعل البحر المهلك سببا فى الوصول إِلى المرام ، وأَخرج البزار عن أَبى هريرة موقوفا : كلم الله البحر الغربى إنى حامل فيك عباداً من عبادى فما أَنت صانع بهم؟ قال : أَغرقهم قال : بأسد فى نواحيك وحرمة الحلية والصيد ، وكلم البحر الشرقى إنى حامل فيك عبادا من عبادى فما أنت صانع بهم؟ قال : أحملهم على يدى وأَكون لهم كالوالدة لولدها فأَثابه الحلى والصيد ، ومثل ذلك لابن أبى حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الأَحبار وهو كلام لم يثبت وكأَنه موضصوع ، والمشاهد أَيضا فى الغربى الصيد والحلى .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩١٥