وَإِذَا قِیلَ لَهُم مَّاذَاۤ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوۤا۟ أَسَٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ٢٤
الرسم الإملائيّ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
الجزء ١٤الربع ١٠٧ صفحة ٢٦٩
تفسيرها
﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ثبت بما مر أن الإلهية لا تكون لغير الله ، وأن معبودكم واحد.
﴿فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ للوحداينة ، ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ عنه وعن الإقرار بها ، والعمل بموجباتها ، ﴿لاَ جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فيجازيهم ، وهو وعيد ، ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ عن عبادته وتوحيده . ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم﴾ لمن استكبر عن عبادته: ﴿مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ؟قَالُواْ: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ بلسان الحال أو لسان المقال ، وماذا ينفع المقال مع المخالفة بالأعمال ، أي: ليس (لعله) لذلك وقع في قلوبهم ، وهو بمنزلة أباطيل الأولين ، كذبوا على الله ، وسيحيق بهم كذبهم.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٥
قوله : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ أي : إذا قال المؤمنون للمشركين ماذا أنزل ربكم ﴿ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾ . وإنما ارتفعت لأنهم قالوا : إنه أساطير الأولين ، وهذه حكاية ، أي : كذب الأولين وباطلهم . فليس يقرون أن الله أنزل كتاباً ، ويقولون : إن النبي افتراه من عنده . وإنما قال ذلك ناس من المشركين ، مشركي العرب ، كانوا يرصدون بطريق مكة من أتى النبي؛ فإذا مرّ بهم من المؤمنين من يريد النبي قالوا : إنما هو أساطير الأولين .
وفي تفسير الكلبي : إن المقتسمين الذين تفرقوا على عقاب مكة أربعة نفر على كل طريق؛ أمرهم بذلك الوليد بن المغيرة فقال : إن الناس سائلوكم عن محمد غداً بعد الموسم؛ فمن سألكم عنه فليقل بعضكم إنه ساحر ، وليقل الآخر : كاهن ، وليقل الآخر شاعر ، وليقل الآخر مجنون يهذي من أمّ رأسه؛ فإن رجعوا ورضوا بقولكم فذاك ، وإلا لقوني عند البيت . فإذا سألوني صدّقتكم كلّكم .
فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فشقّ عليه ، فبعث مع كل الأربعة أربعة من أصحابه وقال لهم : إذا سألوا عني فكذبوا عني فحدّثوا الناس بما أقول . فكان إذا سئل المشركون ما صاحبكم ، فقالوا : ساحر قال الأربعة الذين هم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلقوا حتى تسمعوه ، بل هو رسول الله حقاً ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويأمر بصلة ذي القربى ، وبأن يُقرَى الضيف ، وبأن يُعبد الله ، في كلام حسن جميل؛ فيقول الناس للمسلمين : والله لما تقولون أنتم أحسن مما يقول هؤلاء ، والله لا نرجع حتى نلقاه ، فهو قوله : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٥
﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ لا بد ﴿ أَنَّ اللهَ ﴾ من أن الله ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ فيجازيهم أو أصل لا جرم لا بد ثم جعل كله كلمة واحدة بمعنى ثبت فالمصدر مما بعده فاعله أَو جعل بمعنى مصدر رافع للفاعل المذكور ، أَى حقاً إن الله يعلم أَى حق حقاً علم الله ، أَو لا نافية لمحذوف أَى لا يصح ما قال الكفرة ، وجرم معناه وجب أى وجب أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون وذلك على العموم ، ولا كما قيل المراد ما يسرون فى ذار الندوة من قتل محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتكْبِرِينَ ﴾ أى لا يرضى أَفعالهم ولا أقوالهم ولا اعتقادهم ولا استكبارهم ، أَو لا يأمر بحالهم ، أَولا يثيبهم عليها كما يثيب المؤمنين على إيمانهم بل يعاقبهم ، والأصل أنه لا يحبهم ، وأَظهر ليصرح بالعقلة وهى الاستكبار فإِن تعليق الحكم بمعنى المشتق يؤذن بعلية معنى ما منه الاشتقاق ، أو المتكبرين عام لكل مستكبر فالإِظهار على بابه ويدخل كفار قريش فيهم دخولا أَوليا ، أَو المعنى لا يحب المستكبرين مطلقاً فكيف من استكبر على التوحيد وابتاع الرسول صلى الله عليه وسلم ، أَو المستكبر متعاطى الكبر بما ليس عنده فهو أَقبح من المتكبر ، أَو لايحب الذين يطلبون الكبر فلم يصلوه فكيف بمن طلبه وفعله ، والأَولى أنهما سواء وأَن كلا المتكبر لقوله : فلبئس مثوى المتكبرين ، والأولى أَنهما سواء وأن كلا منهما يطلق على من ادعى الكبرياءَ من الناس بما عنده ، ومن ادعاها بما ليس عنده ، مر الحسين بن على بمساكين يأكلون كسرا فقالوا : الغذاء يا أبا عبد الله فنزل وقال : ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ وأَكل معهم فقال : أَجبتكم فأجيبونى فاتبعوه إلى منزلة فأَطعمهم وسقاهم وأَعطاهم ، والذنوب يمكن إخفاؤها إلا التكبر فإنه لا يخفى وهو أصل العصيان إذ تكبر إبليس فلم يسجد لآدم ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأَقدامهم لتكبرهم » يعنى يتضررون بذلك ، وبعد دخول النار تعظم أَجسامهم ليشتد ضررهم ونزل فى النضر بن الحرث وكان عنده كتب التواريخ ، وكان يزعم أن حديه أجمل وأَتم مما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى :
﴿ وَإذَ قِيلَ لهُمْ ﴾ للنضر بن الحرث ومن معه من المقتسمين ، والقائل بعضهم لبعض تهكما إذ لفظا بان الإنزال على محمد صلى الله عليه وسلم من الله تحقيقا لا تهكما لكن قالوا ما عندنا خير ، أَو على فرض أَنه منزل لكنه أساطير الأولين أَنزلها ، أَو القائل المسلمون تذكيرا ، ويضعف أنه اختيار لعلمهم بكفرهم ، أَو الوافدون على المسلمين والوافدون على أَهل مكة يسأَلونهم على أَحوال محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فيقول المشركون : أساطير الأولين ، والمسلمون أَنزل خير وكذا غير الوفد ﴿ مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ أى شىء أنزل ربكم أو ما الذى أنزله ربكم وهو الأنسب برفع أساطير ﴿ قالُوا ﴾ أَى النضر ومن معه ﴿ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾ هو أَى الذى أنزل ربنا أَساطير الأَولين جمع أَسطار جمع سطر فهو جمع الجمع أَو جمع أُسطورة ، أَى شىءٍ سطره الأَولون أَى كتبه سطوراً لا نفع فيها ، أَو أَكاذيب عرضوا عن لفظ الإِنزال لشدة عنادهم ولو أَرادوه إِذ لم يقولوا أَساطير بالنصب فيقدر أَنزل وإثباتهم الإنزال تهكم ، أو مشاكلة على تقدير أَن له إنزالا أَثبتوه ليردوه كقوله هذا ربى .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٥